أفكار ومواقف

فشل التنمية وازدهار الفوضى

تبدو الفوضى الأهلية والمجتمعية السمة الأكثر وضوحا وانتشارا على امتداد المجتمعات العربية. وهي تنعكس في ظواهر ازدهار العنف المجتمعي والجماعي، انتشار الجريمة، تراجع السلم الأهلي، الصراع المذهبي، الصراع الجهوي، ازدهار الهويات الجهوية، تنامي انتشار المخدرات، تراجع الثقة بالمؤسسات الأهلية والمدنية، تراجع مكانة الدولة، تراجع مكانة النظام العام، تراجع دور القانون، توتر العلاقة بين المجتمع والدولة، توتر العلاقة بين المؤسسات، تراجع الرأس مال الاجتماعي؛ أي مدى الثقة بالفرد والمجتمع والدولة. كل هذه الظواهر انعكاس ونتيجة لأمر واحد، هو فشل التنمية في المجتمعات العربية.
حتى الدول ذات التاريخ الطويل نسبيا في الاستقرار، مثل الأردن، عليها أن تعيد تقدير مواقفها، وأن تتوجه نحو الداخل؛ فكلمة السر الكبرى في كل هذا الانكشاف والفوضى التي تضرب السلم الأهلي، تبدو في أبرز وجوهها في فشل التنمية في العالم العربي.
الدولة الوطنية العربية التي تجاوز عمرها، في أغلب المجتمعات، ستة عقود، هي المسؤولة عن هذه النتيجة. ولطالما أجلت الديمقراطية بحجة أولوية التنمية، لكن اليوم تفيق المجتمعات العربية وهي بلا تنمية ولا ديمقراطية. وعلينا أن ننتظر حتى ندرك حجم الخطيئة التي ارتُكبت حينما تم الفصل بين الديمقراطية والتنمية.
بعد ثلاثة أعوام على تحولات الثورات العربية، تبدو هذه المجتمعات وكأنها في أبعد نقطة عن الديمقراطية والرشد السياسي وحكم القانون. بالفعل، للمراحل الانتقالية منطقها وظروفها وحساسياتها، لكن معظم الخبرات المعاصرة في الانتقال السياسي لم تشهد ما نشهده اليوم من انكشاف سياسي ذي عمق اجتماعي، وفقر إصلاحي في العمق الاجتماعي أيضا؛ ما يكشف  حجم الجرائم التي ارتكبتها الأنظمة السياسية طوال ستة عقود من تهشيم المجتمعات وتفريغها وتشويهها.
الأزمة الكبرى في التنمية هي الأساس. فهي مرتبطة بالحقوق، وبنوعية الحياة، وإدارة الموارد، وبالتالي بالقدرة على تحديد الخيارات. التنمية بمفهومها العلمي تعني تحسين نوعية الحياة بالمشاركة، وتوسيع الخيارات أمام الناس، بما يجعلها أساس الديمقراطية وكفالتها الحقيقية، وليس البديل عنها كما كان يروج الاستبداد على مدى عقود مضت.
ولدت هذه البنية المحلية غير المكتملة في علاقة الأفراد والجماعات بالدولة حالة احتقان متداخلة الأبعاد والأطراف؛ إنها بنية اجتماعية رخوة وقلقة، تجدها تتحرك جماعيا ولكنها مشغولة بالخلاص الفردي. وكما يتم تحريك أحزاب وتنظيمات سياسية وجمعيات أهلية من قبل أطراف خارجية، يُحرك بعض الأقليات والجماعات الأهلية من الداخل؛ وكما تتصرف بعض فئات المجتمع بذهنية الأقلية التي لا تكف عن القول بالظلم والاضطهاد والإقصاء والتمييز، تتصرف أطراف أخرى في المجتمع بذهنية غلبة الأكثرية.
المشكلة حينما تكون الديمقراطية وما تعنيه من مشاركة شعبية، هي الأداة الوحيدة التي تكفل تفريغ هذا الاحتقان، وتضمن تدشين أسس متينة لاندماج اجتماعي، تقف هي نفسها -أي الديمقراطية- عاجزة عن التقدم، لأنها من دون عمق اجتماعي أصيل، ومن دون أساس اجتماعي متين، يذهب عميقا في معاش الناس.
يُقال إن المجتمعات هي التي تنشئ الدول، والأخيرة بدورها تكمل بناء الأوطان، وهو ما لم يحدث في هذا الجزء من العالم.

basim.tweissi@alghad.jo

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. ما السبب
    الجواب سياسات ممنهجة ومدروسة لأصحاب المكاسب والمناصب .

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock