ثقافة

“فصول” لعزمي بشارة: وجدانية عالية مشرعة على الذاكرة تتخذ من النفي هوية

عمان – الغد – يتجه د.عزمي بشارة في كتابه “فصول” الصادر مؤخرا عن المركز الثقافي العربي، وذلك بعد مرور عام على كتابه الأدبي الأخير “نشيد الإنشاد الذي لنا”، إلى ممارسة الكتابة الأدبية وفقا لطقوس خاصة به، ما يتيح له استراحة مؤقتة من كتاباته الفكرية والسياسية الأخرى.


ويغوص بشارة الذي ولد في العام 1956 في الناصرة، ويعتبر شخصية سياسية ثقافية وفكرية مثيرة للجدل، في مشاعره ليبوح بهواجس الذات الوجدانية.


وينثر بشارة في الكتاب ذاته الوجدانية وقناعاته الفكرية والاجتماعية برمزية تمرس على الإيغال فيها بشكل إيقاع حينا، وشذرات نثرية حينا آخر، حيث يقول في “حقيبة يد”:


“هنا ليس كلَّ الأماكن


أعنَدُ الذكرياتِ تلك التي لا تباحُ


ترافقه كظله


والظلُّ لا يؤنِسُ


لا يبارحُ، لا يُزاحُ


لكن توضحُ الوحشةَ صحبتُه


تبيِّنُ للواحدِ وحدتَه


مثل صدىً للصمتِ، مثل طيفٍ للشرودِ


تُحكِمُ القبضَ على الإدراكِ


تلصَقُ كالهاجسِ باللحظة


وبالأفكارِ كالكلمات، كاللغةِ


تخِزُهُ كالشكوكِ إذ تطفو


وحين يغرقُ في النومِ


ترسبُ في اللاوعي في الغفوةِ”.


ويحاول بشارة تفكيك جدلية الزمان والمكان التي تتكرر في كل مؤلفاته الأدبية وبأشكال مختلفة، فسادت من خلال الحنين ومخزن الذاكرة متخذا من “النفي هوية”:


“أقصى بقاعِ الأرضِ تلك التي


كان يقصِدُها منهكاً حرّاً وحيداً


مثلَ جنديٍّ عائدٍ من هزيمة


كالعودة يمتدّ إليها الرواحُ


ومهما طالَ فيها المكوث


لا يُفرِغُ حقيبتَه في خزانة


يَستَلُّ منها النهارَ مطويّا


يقدّمه الصباحُ


وفي المساءِ يعيدُ إليها الأمانة


يُلقي فيها النهارَ كما تُرمى الفُراغةُ في الحاوية…


وقارُه مشهرٌ بالعبوسِ


إلى جانبِ مسافرٍ محايد


محكومٌ مثلُه كالبومِ بالتحديق إلى الأمامِ


كما يليقُ بالغرباءِ


إذ يتجاورون”.


وتتمحور نصوص بشارة تحت يافطة العشق والتمسك بصراع الذاكرة والخيبة مع الواقع والنفاق، ومواجهة العبث وجها لوجه بالتحديق في عينيه، إضافة إلى وقفات ومواقف وجودية وقناعات وخيارات بعد اندثار الأحلام في ظل استهلاكية متوحشة تشمل استهلاك الإنسان والثقافة، تتوحد فيها قيم مسقطة ومعممة كالبضاعة الجاهزة أمست هي المثال والمرتجى وغالبا ما تتواشج تلك العناوين في النص الواحد وفي النص، يتكرس انتصار الفرد والفردي وحرية الاختيار وأصالة المعايير في مقابل النموذج التسويقي الجماهيري السائد على مستوى الثقافة والحياة:


“هنا كان يأتي ويمضي


هنا المصيرُ شخصيٌّ، له أو عليه


عبءٌ له على وجهِ الخصوصِ


ومصيرُ الشقيّ، كمصيرِ الغنيّ، ليس محجوزاً


فهو ينسلُّ خجلاً بما وضع عند المدخلِ


كما ينسلُّ من يخفي هُويّته


من عيونٍ سوف تعرفُه


أو يتسلّل كاللصّ ليلا


من الشٌبَّاكِ”.


غير أن نصوص بشارة تعلن انتصار الموقف القيمي والقيمة الجمالية والعاطفة في مواجهة النفاق الاجتماعي، حيث يرى نقاد أن نصوصه الأدبية تنضح بحنين وحرية، إذ تحطم الأنماط الثقافية المنتشرة، وأنه ينهل من لغة لا تشبه سواها، ليجعل النصوص أشبه بشريط متتال من الصور والاستعارات الجمالية، لا سيما أنها تترافق مع مفاهيم فلسفية مجردة كالقدر والعبثية.


ويقدم بشارة في كتابه تجسيدا جديدا من عصرنا لنماذج من أزمنة حسبناها مضت وما هي سوى التتمة الطبيعية لكتاباته وممارسته السياسية والفكرية على اختلافها، إذ إن الشخص واحد والسياسة والإبداع لا ينفي بالضرورة أحدهما الآخر، وإنما على العكس قد يكون الفن مصدر غنى لا حدود له لكل من يعمل في الشأن العام والقضايا الكبرى والصغرى وبه يعلن تمايزه.


يذكر أن د.عزمي بشارة مفكر وناشط سياسي من مؤلفاته: العرب في إسرائيل: رؤية من الداخل “الخطاب السياسي المبتور ودراسات أخرى والمجتمع المدني: دراسة نقدية” مع إشارة للمجتمع المدني العربي، والانتفاضة والمجتمع الإسرائيلي: تحليل في خضم الأحداث، وطروحات عن النهضة المعاقة،. والحاجز شظايا “رواية”، ومن يهودية الدولة حتى شارون دراسة في تناقض الديمقراطية الإسرائيلية، إضافة إلى “حب في منطقة الظل” ورواية “شظايا مكان”.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock