أفكار ومواقف

فصيل شبيبة.. لو كان هناك كبار!

تروي الصحفية الفلسطينية نائلة خليل أنّها، في العام 2004، كانت تعد تقريرا صحفيا لصحيفة “الأيام”، حول وصول مادة كانت تسمى في مخيمات الضفة الغربية باسم “أم العبد”، تستخدم لصنع المتفجرات، لعدد من الأطفال في نابلس ومخيماتها، ففقدوا أطرافهم العليا؛ أيادٍ وأصابع، بسبب استخدام المادة أثناء محاولتهم “تقليد الكبار لصنع بطولة”. وكان أحد أهم قادة كتائب شهداء الأقصى في الضفة الغربية حينها، الشهيد حالياً، نايف أبو شرخ. اتصلت به نائلة هاتفيا بعد جهود معقدة، كونه مطاردا. وعندما علم بالأمر، قال غاضباً: “هذا لا يجوز، إن ثبت أن أحدا من كتائب الأقصى متورط في هذا الأمر ستتم محاكمته ميدانيا، وسأحقق شخصيا في الأمر”.
ننظر الآن إلى فيديوهات، وتستمع من شهود عيان إلى قصص، ولا يكون رد فعلك الطبيعي إلا الغضب؛ كيف يحدث هذا؟ أطفال بوسائل أقل من بدائية يخوضون غمار مواجهة ضد مجموعات صهيونية مسلحة “حتى الأسنان”؛ كل مستوطن، وشرطي، وجندي، مستعد للقتل لأي سبب، ومعه التجهيزات المطلوبة.
تشاهد فيديو الفتاتين من قلنديا، هديل وجيه عواد، الشهيدة الآن، وابنة عمها نورهان إبراهيم عواد، فتاتان ناحلتان ضعيفتان، طالبتا مدرسة، تحاولان بلا أي فرصة للنجاح طعن مستوطن، بمقص أو سكين، بعد أن غادرتا المخيم إلى القدس، وينقضون عليها: مستوطنون، وشرطة، ويأتي الجنود، ويعدمونهما بدم بارد. وفي حالة أخرى، شاب جامعي واعد، يحاول طعن دليل سياحي ببقايا زجاجة، وأيضا بلا أي نتيجة، وأيضاً ينقضون عليه في ثوانٍ، ويقول في المحكمة إنها (الدليل) استفزته وأهانته. وهذه ليست سوى أمثلة على ما يجري الآن.
دور الفتيان والفتيات والأطفال في المقاومة ليس جديداً، ولكنه لم يكن يوماً بهذا الشكل، أو العشوائية.
نعرف حالات كثيرة لأشبال أتموا تدريبهم في الثورة وانضموا إليها. والحديث هنا عن شباب في عمر 16، كانوا يأتون ويتدربون. من هؤلاء على سبيل المثال، الشهيد اللواء عاطف بدوان (عمار بن ياسر) الذي صار له صولات وجولات لاحقاً. بل إنّ الصديق الكاتب الفلسطيني المعروف ماجد كيالي، أخبرني كيف ذهب لمعسكر حمورية في غوطة دمشق العام 1970، واستطاعت عائلته الوصول إليه واستعادته، فذهب إلى الأردن في رحلة معقدة وصعبة، وقضى هناك أشهراً في معسكرات الثورة. وفي الثمانينيات كان العالم كله يتحدث عن أطفال “الآر بي جي”، في إشارة إلى فتية استخدموا هذا السلاح دفاعاً عن مخيمات لبنان. وطوال سنّي الثورة كنا نعرف أن هناك شيئا اسمه أشبال وزهرات، وكان ياسر عرفات يردد باستمرار “سيرفع يوماً شبل أو زهرة من بلدي علم فلسطين على أسوار القدس”. ويخبرني معين الطاهر، قائد كتيبة الجرمق (والسرية الطلابية)، أنه في مرحلة لبنان كان هناك فصيل اسمه فصيل الشبيبة، لأعمار 15-18 سنة، وأن التدريب على السلاح في معسكرات الأشبال والزهرات، كان جزءا من برنامج أكبر، وكان هناك اهتمام بمواصلة الشبيبة تعليمهم أثناء نشاطهم الثوري. ويقول: “كنا نرفض أن يترك من فيه (الفصيل) مدارسهم، ونعمل على تسجيلهم بمدارس قريبة”. وقبل عامين تقريباً، كنت أقف في طابور طعام في مطعم، فيه أعضاء من فرقة “العاشقين” الغنائية، وكان أحدهم ممن كانوا في تلك المعسكرات قبل أكثر من ثلاثين عاما، وبدأ بالمزاح بالهتاف عالياً بهتافات كانوا يهتفونها في معسكرات الأشبال.
كان هناك كبار يتولون العمل النضالي وقيادته، فلا يحتاج الأمر لطفلة مثل هديل وابنة عمها، للارتجال، بل يذهبون وهم يغادرون الطفولة ويصرون على درب البطولة، ليجدوا تنظيمات تأخذ بيدهم، فيتمهلون، يتدربون، وربما يصبحون جزءا من منظومة نضالية متكاملة، مدنية وعسكرية، ويتابعون دراستهم، وحياتهم، وعندما يدخلون المواجهة المباشرة يكونون قد تلقوا الحد الأدنى، على الأقل، من الاستعداد. وعندما بدأ خالد آكر -الذي نحتفل هذه الأيام بذكرى عملية دخوله بطائرة شراعية لمعسكر للاحتلال، العام 1987، التدرب على عمليته- لم يكن قد بلغ العشرين. 
هناك أطفال لا يجدون أطرا تنظيمية تستوعب حماسهم وغضبهم، فيرتجلون عشوائياً بما تيسر لهم. أما في الماضي، فكانت هناك أطر تستوعب، وتعبّئ، وتهيئ، وتعد، وتطور، حتى وإن كنا غير راضين تماما عن تلك الأطر حينها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock