فكر وأديان

“فضاءات الحرية” في الإسلام

أسامة شحادة

الحرية هي إحدى المصطلحات المركزية في عصرنا الحاضر، ومن أهم الشعارات البراقة التي من أجلها تقدم الجماهير الكثير الكثير من الجهود والطاقات.
وبرغم كل هذه الأهمية لمصطلح ومفهوم الحرية إلا أنه مصطلح ومفهوم غامض وقلق لا تعريف له! حتى قال الفيلسوف الفرنسي غوستاف لوبون: “إن قوة الكلمات مرتبطة بالصور التي تثيرها وهي مستقلة تماما عن معانيها، والكلمات التي يصعب تحديد معانيها بشكل دقيق هي التي تمتلك أحيانا أكبر قدرة على التأثير والفعل، ونضرب على ذلك مثلاً الكلمات التالية: ديمقراطية اشتراكية مساواة حرية”، ولم يقتصر الأمر على قلق وغموض مصطلح الحرية عند المنادين به، بل انتقل ذلك لحالة عجز وفشل في تطبيق المراد من الحرية، ولعل مآل الربيع العربي يؤكد ذلك، وحتى حالة الشلل في الجزائر اليوم أو الصفقة الانتهازية في السودان بين العسكر وقوى “الحرية” التي حرمت غالبية السودانيين من حرية الاختيار والتغيير مثال صارخ على خواء شعار الحرية من معنى وآلية واضحة للجماهير.
ومن أجل تقديم “نظرية واضحة عن التصور الإسلامي للحرية” كتب الدكتور سلطان بن عبد الرحمن العميري كتابه الضخم “فضاءات الحرية: بحث في مفهوم الحرية في الإسلام وفلسفتها وأبعادها وحدودها” في 600 صفحة العام 2013 وصدر عن المركز العربي للدراسات الإنسانية بالقاهرة.
ويتميز جهد د. العميري من عدة جهات، حيث عقد مقارنة تفصيلية بين المنظور الإسلامي والمنظور الغربي للحرية، واستعرض وفحص ونقد لغالب الطروحات الإسلامية السابقة في مجال الحرية من جهة أخرى، وناقش بالتفصيل أكبر الشبهات التي يوردها المستشرقون والعلمانيون على الحرية في الإسلام وهي الرق وجهاد الطلب وحد الردة والتعبير عن الرأي، وفي هذا كله التزم المنهج الشرعي العلمي ولم يخضع لضغوط الواقع والهزيمة الحضارية، وأهم من هذا كله تفصيل الرؤية الإسلامية الشاملة للحرية بوضوح اعتمادا على المرجعية الإسلامية ومنطلقاتها فحسب.
وبالطبع هذه المقالة لا تفي باستعراض كامل أطروحة د. العميري، ولا كافة جوانب الرؤية الإسلامية للحرية بحسب ما توصل له، ولذلك سأقتصر على بعض أهم الخطوط العريضة في أطروحته علها تحفز الراغبين في التوسع مطالعة الكتاب والاستفادة من منهجيته ونتائجه.
نقطة البداية في أطروحة د. العميري هي تغاير منطلق الحرية في الإسلام مع منطلق الرؤية الغربية التي تنطلق من أرضية علمانية محملة بآثار الصراع مع الكنيسة التي استبدت وظلمت وحاربت العلم، ولذلك جاء مفهوم الحرية لكسر قيود الكنيسة ورجالها ورفض أي إلزام على الإنسان من خارجه ولو كان الوحي الإلهي، واتخذ من مفهوم الحق الطبيعي المادي مرجعية له، وهذا يتبدى واضحا جليا في وثائق حقوق الإنسان الغربية حيث تخلو من أي اعتبار للدين، من هنا كان من تعاريف الحرية عند الغربيين قول جون ميل: “الحرية الوحيدة التي تستحق الاسم هي تلك القائلة بسعينا وراء مصلحتنا الخاصة طالما كنا لا نحاول أن نحرم الآخرين من حقوقهم أو نعرقل جهودهم في الحصول عليها”، ولذلك أدرك الكثير من العلماء المسلمين تعارض مفهوم الحرية الغربي مع الإسلام حين أسقط الدين من اعتباره، وقدم عدد من المفكرين المسلمين تعاريف للحرية من أجودها بحسب المؤلف تعريف د. طه عبد الرحمن: “الحرية هي أن تتعبد للخالق باختيارك وألا يستعبدك الخلق في ظاهرك وباطنك”، وعبّر د. العميري عن تعريف الحرية بقوله: “هي الحالة التي يكون فيها الإنسان محققا للخضوع والعبودية لربه وسالما من الاستعباد لأحد من البشر”.
ومع هذا التباين في منطلقات وتعاريف الحرية بين الرؤيتين بين المؤلف أن الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية تتفقان في أهمية قيمة الحرية وفي أن الحرية ليست مطلقة، فهي مقيدة بالدين والشريعة في الإسلام ومقيدة بالقانون في المنظور العلماني.
قسّم د. العميري مفهوم الحرية إلى ستة مكونات سنستعرضها باختصار دون الدخول في تفاصيل مناقشة مواطن الخلاف مع الرؤية الغربية أو نقض ونقد بعض الاختيارات في الأطروحات الإسلامية حرصا على الاختصار والإيجاز.
1 – الحرية القدرية أو حرية الإرادة، وهي تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإنسان وربه وخالقه، بخلاف بقية مكونات الحرية الأخرى فهي تتعلق بعلاقة الإنسان بغيره من البشر.
وهذا المكون من الحرية هو الذي جاءت كثير من الآيات القرآنية لتقريره، واستعمالها في غير هذا المكون زلل وخلل، والحرية القدرية هي التي تصارعت فيها الفرق والمذاهب الإسلامية، والصحيح منها قول أهل السنة والجماعة وخلاصته أن جنس الإنسان منحه الخالق جل جلاله حرية الاختيار والمشيئة والإرادة لأفعاله وتصرفاته والتي تكون سبباً مؤثراً في غيرها ولها نتيجة، وفي نفس الوقت فإن الخالق جل جلاله هو الذي خلق له هذه القدرة وخلق النتيجة، وهذا هو قانون السببية، فالإنسان حين يسقي النبات ليكون سببا لاستمتاعه برؤيته أو تذوقه، فإنه فعل ذلك بحرية قدرية أو مشيئة وحرية إرادية، لكن في نفس الوقت فإن الله عز وجل هو الذي خلق له القدرة وهو الذي خلق الماء وخلق النبات، وبهذا فالإنسان مسؤول عن تصرفاته.
2 – الحرية النفسية، وهي امتلاك الإنسان لتصرفاته واختياراته من غير ارتهان لإرادة أحد من الخلق، وهي تقابل حالة الرق والعبودية، وقد سبق الإسلام في تقرير أن الأصل في كل الناس الحرية بخلاف من يرون الرق حالة طبيعية كالرومان!
وقد عالج الإسلام مشكلة الرق من خلال إعادة الاعتبار للرقيق بكونهم بشرا، لهم حق الإنسانية، ثم ضيق منافذ الرق وحصرها في حالة الحرب الفعلية، ووسع منافذ الحرية لهم وحث عليها، ولذلك كانت نتيجة العبودية في ظل الإسلام ظهور العلماء والأئمة من العبيد! وظهور القادة والملوك من العبيد حتى كوّنوا دولة المماليك! بينما حضارة الغرب قامت باستعباد الملايين من الأحرار من أفريقيا والهنود والحمر، ومن لم تستعبدهم على شكل رقيق استعبدتهم بالاستعمار أو حتى الاستقلال الشكلي، فها هي مناجم الذهب والألماس واليورانيوم في افريقيا تزيد أرصدة المحتلين السابقين بينما المواطنون “ينعمون” بالأوبئة الفتاكة والحروب الأهلية والفقر المدقع!
3 – الحرية الشخصية ويقصد بها حرية الإنسان في تصرفاته والتنقل والأمن على ماله ومسكنه ومراسلاته، وهذا حق مكفول لكل الناس، إذ الأصل في هذه الأشياء في الإسلام الحل والإباحة لتستقيم حياة الناس وتعمر البلدان، ويستثنى من ذلك مساحات محدودة جدا حفاظا على الصالح العام الذي يحرّم كل ما يضر بالفرد أو المجتمع، ومن أمثلة المنع: منع التنقل في الإسلام منع السفر لمكان الأوبئة والأمراض المعدية، ومنع الانتحار، ومنع الخمر والمسكرات، والذي يحق له المنع الشرع الحنيف وليس أهواء السلطة ولا رغبات الناس.
4 – الحرية الدينية في الإسلام، وهي تتناول مستويين: الأول حرية الدخول في الإسلام وعدم إكراه أحد على الدخول فيه، وهذا ما شهد به التاريخ حيث كان الناس فيه أحرارا في اعتناق أديانهم، وناقش المؤلف هنا قضية جهاد الطلب بتوسّع، وبيّن أن مشروعية جهاد الطلب لم تتعارض مع حرية التدين، بل تُرك الناس على أديانهم وأزيلت فقط أنظمة التسلط، وهذا يبطل فرية انتشار الإسلام بالسيف.
وهناك مستوى حرية الخروج من الإسلام، وهذه دائرة مضيقة جداً لأن الردة ليست موقفا فكريا مجردا، بل هي تبديل للموقف والولاء كما نشاهده اليوم من مطالبات الملاحدة بتبديل الدساتير وتجريم دولهم في المحافل العالمية، ولكن مع ذلك فإن الإسلام لم يأمر بالبحث عن مكنونات الناس ودخائلهم كما حصل من محاكم التفتيش الكنسية، ولكنه منع من المجاهرة بالردة والكفر به في المجتمع المسلم، ومَن فعل ذلك استحق العقوبة، وقد ناقش المؤلف ذلك بالتفصيل.
5 – حرية الرأي والتعبير، والتي تعني رفع الضغوط والإكراه عن تبني الآراء والتعبير عنها ما لم تخالف أحكام الدين، وسمح الإسلام بطرح الآراء والشبهات حتى لو خالفت الدين على العلماء لغرض التعلم والتبصر، بل جعل الإسلام التعبير عن الرأي يدخل في الأحكام الشرعية فإن قصر في إبداء الرأي الواجب فإنه يعد مفرطا وعاصيا لله، وأكد الإسلام على ضرورة الحرص على محاسبة النفس فيما تتكلم، وهذا حين يلتزم به تتقلص الظواهر السلبية لحرية التعبير من نشر الشائعات والتعيير والشتم و…
6 – الحرية السياسية، وهي تعني حق الأمة في اختيار القيادة ومراقبتها ومحاسبتها ونظام الحكم المناسب لعصرها بما يتوافق مع الشريعة، وقد تجسد ذلك في عهد الخلافة الراشدة التي تعد النموذج والقدوة، حيث طبقت الشورى والمشاركة الشعبية وفسحت المجال للتعبير وتمت المحاسبة بشفافية.
هذه هي الخطوط العريضة لفضاءات الحرية في الإسلام والتي أسهب في تفاصيلها وجزئياتها د. العميري في كتابه الرائع.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock