ثقافةحياتنا

“فضاء السجن في الرواية العربية”.. تقص ودراسات للكاتبة جمانة صوان

عزيزة علي

عمان- صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع كتاب بعنوان “فضاء السجن في الرواية العربية” للكتابة الأردنية جمانة صوان، تتقصى فيه مواضيع أدب السجون في روايات عديدة، تنتمي لأجيال مختلفة من الكتاب، وبيئات عدة، حتى تتوصل إلى نتائج مرضية، كما اتجهت إلى الدراسات الأدبية، الى جانب دراسات علم النفس، وعلم الاجتماع، إضافة للدراسات السياسية.
الكتاب جاء في ثلاثة فصول؛ الأول وهو بعنوان “السجن السياسي: من سجن الآخر”، وتتناول فيه مراحل السجن السياسي قبل الدخول إلى السجن (الحياة في السجن الكبير)، المراقبة والاعتقال وما يتعرض له المعتقل داخل السجن من حبس احتياطي وأنواع التعذيب وشكلاه الجسدي والنفسي، والتحقيق في ظلمة الحبس الانفرادي والزنزانة الجماعية والمحاكمة والخروج من السجن والعودة إلى السجن الأكبر.
فيما يتحدث الفصل الثاني الذي جاء بعنوان “البطل السجين وإشكالية الأنا والآخر”، عن التأثير النفسي في البطل السجين وتدميره للأنا، والتحولات في شخصية البطل السجين والدفاع الذاتي للأنا في مواجهة الآخر، والتعريف بالآخر، وما علاقته بالأنا، الآخر داخل السجن، والمعتقل، وسبل التواصل معه، والموقف من سلطة الآخر السلطة، وسبل التواصل مع السلطوي خارج السجن، والزيارات والمراسلات وعلاقة السجين بالمرأة والسجينة الأم والجدة والحبيبة والزوجة والسجانة والوجه الآخر لعلاقة السجين بالمرأة.
ويتناول الفصل الثالث “البناء الفني في روايات السجون”، مثل المكان: السجن العالم الخارجي البيت القرية الريف الطلل المدين، الزمان: الزمان البيولوجي النفسي الوجودي السردية السارد السرد والزمان السردي الاسترجاعات التواتر الاستشرافات الاستباقات، السرد اللاحق، الوقفة الزمنية، الحذف والإضمار، المشاهد الحوارية والبانورامية والمفاجأة، الشخوص، البطل، السجين، بؤرة النص، الشخصيات الثانوية، والحوار “المونولوج والديالوج”، الشخصيات والحلم والحبكة واللغة والتناص والوصفية الحوارية.
صوان تشير، في مقدمتها للكتاب، إلى أن أدب السجون يشغل حيزا كبيرا في الأدب العربي، والعالمي، ولما كانت الرواية تقوم أساسا على اختراع عالم متخيل يشبه أو يكاد يشبه عالم الواقع، فالرواية تلقي الأضواء الكاشفة على ما يحيط بالسجن، والسجين، والسجان، وتتغلغل إلى ما وراء قشرة الواقع، فتلقي الضوء على ما يجري في عالم السجين الداخلي من تيارات نفسية، وما تمر به نفسية السجان من أحقاد على فريسته السجين، ومن تلذذ الجلاد بإحياء حفلات التعذيب، لافتة الى أن الروائي يلاحق السجين بمتخيلاته السردية بعد تحرره من الجدران، وما يتعرض له من ضغوط نفسية تجعل من الإحساس بالحرية ضربا من الظن.
تقول صوان إن الكتابة عن “أدب السجون”، ظهرت مع شيوع الأحزاب السياسية وتعددها في الوطن العربي، واحتلال فلسطين، وانتفاضات شعبها المتجددة، وأحداث النكسة، كل هذه العوامل لعبت دورا كبيرا في ظهور العديد من “أدب السجون”، خصوصا “الرواية” التي كتبها الأسرى في سجون الاحتلال، وفترة وجود الانتدابات على الوطن العربي الذي امتد لسنوات طويلة، وما إن تخلصت الدول العربية من الاستعمار حتى اشتغلت فيها الحروب من جديد، منها الحروب الأهلية كالحرب الأهلية اللبنانية، وحروب خارجية كالحرب على العراق، فظهر أمامنا العديد من السجون منها “غوانتانامو، أبو غريب”، وغيرهما من السجون. وتوضح المؤلفة أن “أدب السجون”، هو كل أدب يتناول السجن كقضية رئيسة، ويكون السجن هو فضاء العمل المكاني، وقد يكون خارجه لكننا نجد بقية عناصر العمل الأدبي ترتبط بالسجن بطرف ما، وقد يتطرق العمل لمواضيع عديدة من عالم السجن، أو لموضوع واحد يسلط من خلاله الكاتب الضوء عليه دون غيره ويكثفه، ولا يشترط أن يكون الكاتب قد خاض تجربة السجن بنفسه، فقد يكتب عنها دون خوضها، لافتة إلى أن أدب الأسرى يندرج تحت أدب السجون، ويكتبه فقط من خاض تجربة الأسر، وهناك من يحصره في أسرى سجون الاحتلال، على عكس أدب السجون، إذ يشمل أدب السجون ما كتب داخل السجن أو خارجه على أن يكون السجن هو فضاء هذا النص.
وتتحدث صوان عن أدب السجون من ناحية “فن مكاني”؛ أي أن “المكان” هو العنصر الأساسي في العمل -النثري خاصة- وهو المحرك والمؤثر، ونلحظ تطورا في مفهوم أدب السجون، فلم يعد هذا الأدب هو فقط ذلك الذي يكتب داخل أسوار السجن، فكثير من الأدباء صاغوا تجاربهم خارج أسوار السجن، منهم من كتب عن تجربة السجن دون أن يخوضها، على عكس ما كان موجودا في العصور السابقة، مبينة أن ظهور السجن في الأدب العربي قديم وحديث، شعره ونثره أثر كثيرا حيث كان الشعر هو الحامل الأساسي لهذه القضية، ومع ظهور الرواية، وتراجع دور الشعر، أصبحت الرواية هي المصور الأول لتجربة السجن بصفتها أكثر الفنون الأدبية انتشارا وتصويرا لمشاغل الإنسان وقضاياه وهمومه المختلفة.
وحول اختيارها الرواية لدراستها، تقول المؤلفة “إن السرد أقدر من غيره على التطرق لموضوع السجن، إذ تندرج تحت السجن مواضيع شتى”، فالرواية تستطيع عرض المواضيع جميعها، لكن القصة مثلا تكتفي بجانب واحد من هذه المواضيع، كما في قصة “يوم أشهب” لزكريا تامر التي يتحدث فيها عن تزوير الحقائق، وتلفيق التهم، بعد أن قتلت السجين شكري المبيض، ولفقت له تهما مختلفة لأفراد عائلته القريب منهم والبعيد، حتى وصل بهم الأمر للتدخل في المشاعر؛ إذ تعتقل أخته لأنها تتعمد ألا تعبر عن فرحتها أو حزنها، وفي قصة “السجن العربي” يتطرق تامر إلى الفكرة نفسها.
وتتحدث صوان عن تجارب نسائية كتبن عن أدب السجن مثل “حسبية عبد الرحمن”، وهي سجينة سابقة وروائية خاضت تجربة السجن، وهي تحدث عن السجن بأسلوب مميز في رواياتها “الشرنقة”، “تجليات الشيخ جدي”، كما كتبت “مي الحافظ”، روايتها “عينك على السفينة”، وأيضا كتبت نوال السعداوي عن تجربتها في السجن رواية “مذكراتي في سجن النساء”، وهبة الدباغ في روايتها “خمس دقائق وحسب”، كما عرضت مجموعة من الروائيات لهذه القضية دون أن يخضنها من مثل: سوزان الراسخ في روايتها “غزل الحكاية”، رضوى عاشور في “فرج”، وحميدة نعنع في روايتي “من يجرؤ على الشوق”، و”الوطن في العينين”.
وترى المؤلفة أن الكتابات عن “أدب السجون”، في العالم العربي كثيرة، حيث أفردت صوان له ملحقا في آخر الكتاب رصدت فيه ما استطعنا من روايات السجون والسيرة واليوميات، ومنهم من تطرق لتجربة السجن، ولم يخض فيها، فلم يكن السجن هو الموضوع الوحيد في الرواية، مثل: رواية “تحت شمس الضحى” لإبراهيم نصر الله، “العشاق” لرشاد أبو شاور، “إسماعيل” لأحمد حرب، وروايات تشبه روايات أدب السجون في التجربة التي تخوضها شخصياتها، مثل رواية “يوميات كاتم صوت”، لمؤنس الرزاز، التي تدور حول عائلة فرضت عليها الإقامة الجبرية في البيت، الذي تحول إلى سجن أشد إيذاء من السجن الحقيقي.
وخلصت صوان الى أن “رواية السجون”، هي التي يكون السجن موضوعها الرئيس السجن، بغض النظر عن الزاوية التي يتطرق فيها الكاتب للموضوع، فقد يكون عالم الرواية هو السجن، أو يكون خارجه، لكن يظل السجن هو المخيم على الرواية، ويلقي بظلاله على الشخوص، ويحركها، ويؤثر بها، مثال على ذلك رواية “فرج” لرضوى عاشور، التي تعد روايتها من روايات أدب السجون، مع أن الأحداث تدور خارج عالم السجن، إلا أن السجن ظل هو الثيمة المسيطرة على عوالم الشخوص والأحداث، ونستطيع القول إن رواية السجون تقتصر على “السجن السياسي”، لأن الروايات الأخرى التي تطرقت لموضوع السجن غير السياسي، لم يستغرق فيها الحديث عن السجن كل الرواية، بل نجد السجن فيها عنصرا ثانويا لا يكون هو الموضوع الرئيس في الرواية، أما الروايات التي كان موضوعها الرئيس هو السجن، فكان السجن فيها سجنا سياسيا.
وكتب د. إبراهيم خليل مقدمة للكتاب بعنوان “هذا الكتاب” يشير فيها إلى أن صوان في هذه الدراسة تسلط الضوء على تجارب تمثل أقطارا عربية مختلفة متوقفة إزاء روايات لكتاب معروفين يحتلون مواقع رفيعة في الرواية العربية من أمثال “عبد الرحمن منيف، وفاضل العزاوي، نبيل سليمان، هاشم غرايبة، سالم النحاس، محمد الماغوط، عبد الكريم غلاب، فاضل يونس، سنان أنطون، وغيرهم”، ما يضيف لهذه الدراسة أهمية على أهميتها المستمدة من الموضوع ذاته.
ويلفت خليل إلى أن المؤلفة لم تقتصر في دراستها على تتبع عالم السجين، وهمومه، بل تتبعت علاقة السجين بالسجان وعلاقته بالآخر الغريم، أو الرفيق، والآخر الأنثى أما أو جدة أو زوجة أو أختا أو حبيبة تحافظ على علاقتها بالسجين، أو تتخلى عنه لدواع معروفة مألوفة، وتضيء أيضا على وسائل الاتصال بين عالم السجين الداخلي والعالم الخارجي عن طريق الزيارة تارة، وعن طريق تبادل الرسائل تارات أخرى، وعنيت بالقضايا الفنية، والتقنيات السردية، واللغوية، التي تتجلى في الروايات التي قامت بدراستها دراسة نقدية نصية تعنى بالنص قبل أي شيء آخر.
وخلص خليل إلى أن الأسباب الموجبة لانتقاء صوان عددًا من الروايات تقيم عليها أركان الدراسة، وفصولها، واحدا تلو الآخر. كون الروايات التي تتخذ من السجن موضوعًا لها كثيرة، ومتوافرة بحيث لا يستطاع تناولها جميعًا في دراسة واحدة، تتصف بشروط في مقدمتها الإيجاز والاختصار الذي يجعل منها كتابًا مقبولا يقرأ في وقت معتدل الطول. لذلك أضافت المؤلفة، ملحقا بما وقفت عليه، وأحاطت به، من روايات تدور حول عالم السجن، والسجين السياسي. وهي قائمة نستطيع القول، في شيء من التحرز والحذر، إنها تضم تقريبا جل الروايات ذات الصلة بالموضوع.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock