أفكار ومواقف

فضائح مُدوّية!

 


في الصّف الطّويل شاهدتها، كانت تقف خلفي. امرأة على حواف الثّلاثين من عمرها كانت. بين الفينة والفينة رحت أسترق النّظر إليها، كانت تبدو مثل حديقة مخرّبة دكّتها زوابع شرسة: ثمّة أخاديد غائرة في وجهها، حُبيبات من العرق تعلو جبينها مثل فُتات لمرآة كابية!


الحزن الدّفين في عينيها جعل منهما حجرين مطفأين. الأكثر من ذلك أنّها كانت تتلفّع في ذلك الثوب الأسود الدّاكن كما لو كانت تريد أن تتوارى عن الأنظار! يا إلهي! هتفت في أعماقي: أهذه هي المرأة التي أحتفي بها وأكتب لها القصائد؟ أهذه هي المرأة التي تُلهم المبدعين والشّعراء، وتتركهم هائمين على وجوههم في الوديان والبراري؟!


كانت تلك الحادثة التي وقعت معي قبل عدّة سنوات كفيلة بخلخلة إحدى أهم قناعاتي التي تتعلّق بالمرأة، وأقصد بها هنا تلك القناعة المرتبطة بجمال المرأة النافر المجنون. لقد عملت تلك الحادثة على تقديم نموذج آخر للمرأة لم يكن وارداً في الحسبان، يتمثّل بالمرأة الشّقيّة، أو بالمرأة المستعبدة أو لأقل بمرارة بالمرأة الدّميمة. حتى تلك الحادثة لم يكن يخطر على بالي أن ذلك الكيان العجيب يمكن له أن يظهر لي بذلك المظهر المتقشّف العاجز المستسلم.


من سنوات طويلة ما أذكر تلك المناقشات الحادّة التي كانت تدور بيني وبين أحد الأصدقاء عن جمال المرأة، كان يقول لي عليك أن تتذكّر أيّها الشّاعر أن ذلك الجسد الجميل الباذخ الذي تحلم به يخضع للمواصفات الفسيولوجية التي يتمتّع بها أيّ جسد آخر، إنّه يمرض، يهرم، ويذهب إلى الحمّام كي يقوم بإحدى وظائفه التي لا غنى له عنها.


يومها قاومت أفكار ذلك الصّديق (الهدّامة) بضراوة. قلت له إنّ مثل هذه التّخرّصات لن تغيّر من قناعاتي إزاء الجمال قيد أُنملة. أذكر أنّه ممّا ساعدني على التّشبّث بتلك القناعات ذلك الفيلم العظيم الذي كنّا شاهدناه أنا وصديقي في إحدى دور السّينما لأحد المخرجين الطّليان، ومن بطولة النّجمة المذهلة أورنيلا موتي. كان الفيلم يرصد جمال تلك البطلة، ويحتفي بكل ذلك البذخ الذي يتصبّب من جسدها. جسدها كان يسبب الذّعر للكائنات، غالباً ما كان يترك وراءه أرضاً محروقة، وهواءً هائجاً يُصفّر، ثمّة سطوة غير عاديّة يتمتّع بها. خلال تلك الأجواء الكاملة من أسطرة الجسد التي اشتغل عليها المخرج البارع، قام أقصد المخرج إيّاه بحركة سمجة، لقد اتّجهت الكاميرا لترصد ذهاب موتي إلى الحمّام! أيّ لعنة سبّبها لنا كمتفرّجين مشهد غبيّ مثل هذا المشهد؟ قال لي صديقي مداعباً: أرأيت؟ مرّت لحظات حرجة كتمنا فيها أنفاسنا ونحن نتابع ذلك الجسد وهو يخطو بكلّ ما أوتي من فتنة إلى الحمّام، وفي النهاية أمسكت موتي بمقبض باب الحمّام ودخلت. بعد ذلك المأزق الرّهيب الذي رمانا فيه المخرج قامت الكاميرا بأخذ لقطة بانورامية للحمّام من بعد، فجأة انقضّت لترصد ما يحدث أسفل باب الحمّام. لقد شاهدنا ورداً جوريّاً سائلاً يترقرق باتّجاه الخارج، ثمّ شيئاً فشيئاً يغمر ممرّات البيت، ثمّة لقطة من داخل الحمّام تبرز جسد موتي مغموراً بذلك الورد الأخّاذ. في تلك اللحظة استعدت زمام المبادرة وهتفت بصديقي: انظر كم هو مدهش وحالم ذلك الجسد الذي لن تستطيع أن تمسّه بسوء.


أعود إلى المرأة التي كنت أراقبها من خلال الصّف الطويل الذي كنّا نقف فيه لندفع فواتير الهاتف. بعد أن أخليت لها الدّور، كمنت على مقربة منها وعدت لأراقبها مرّة ثانية، شاهدتها تقترب من النافذة الزّجاجية ثمّ تتحدّث بصوت أجشّ مع الموظفّة، صوت مخدوش أشبه بالهمهمة. لكأنّ تلك المرأة تعدّدت، نساء كثيرات متلفّعات بالسّواد صرنا نشاهدهنّ وهنّ يذرعن المدينة ويخفين أجسادهنّ عن المارّة لكأنّها فضائح مدوّية.


[email protected]

تعليق واحد

  1. أين المفر؟
    أخي الشاعر يوسف عبدالعزيز،ربما تبين لي من خلال مقالك أن الجهل بالمرأة،هو مربط فرس الإبداع الشعري تجاهها،وللحقيقة،ألاحظ أن الشعر لم ينصف سوى المرأة ذات الجمال النافر،وكأن الشعر ضحية تضاف إلى ضحاياها،بينما أنصفت القصة،والرواية المرأة البائسة،وهي امرأة جميلة أيضا،لكن بمقاييس السرد لا الشعر،الشعر بوصفه مؤثرا موسيقيا،أكثر ما جذب إليه،الإيقاع الواضح،بمعنى امرأة جميلة،لنقل متبرجة،تمشي في أحد الشوارع،في هذه البرهة،يولد الشعر،اشتباك الإيقاعين،المرئي واللامرئي،بينما لم يدخل الشعر إلى مناطق أخرى،إيقاعها في حاجة إلى اكتشاف،وبحث مملين.
    ويبدو أن المرأة الغنية منعمة العيش(التي تظهر بلباس أنيق ومزين) لفتت انتباه الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي،تشوقوا للقائها ومحادثتها،وتحدثوا عن تفاصيل حياتها،حتى شكل بيتها،وطريقة بنائه،لم يغب في شعرهم،كما يقول بِشْر بن أبي خَازِم:
    مِنَ اللاَّئِي غُذِينَ بِغَيْرِ بُؤْسٍ مَنَازِلُها القَصِيمَةُ فالأُوارُ
    فالفقر والعوز لا يعرفان طريقا إلى هذه المرأة،إذ إن منزلها جميل الهيئة،يكشف عن نعيم حياتها.
    بينما لم يلتفت الشعر العربي،قديما أو حديثا -فيما أظن-إلى المرأة الفقيرة.
    أما القصة،فقد أنصفت المرأة الفقيرة،مثل ما نقرأه لدى زكريا تامر،أو خليل قنديل،وفخري قعوار،وكذلك بالنسبة للرواية التي ذهبت بعيدا في محاورة المرأة الفقيرة ووصف واقعها،كما نلاحظ ذلك لدى غسان كنفاني،وحنا مينا،وبعض روايات سميحة خريس،وليلى الأطرش،ويمكن القول إن المرأة الفقيرة،المغيبة في عالم الشعر،نالت حقها مضاعفا بظهور الفنون السردية الحديثة.
    لكن الخيبة التي لا مفر منها،تكمن في السؤال:لماذا خسر الشعر العربي بسبب غنائيته،وموسيقاه،هذا الكم من القيم الإنسانية العظيمة؟ بينما كانت ملاحم الأمم الأخرى،تنحاز للمعاني النبيلة الداخلية في الإنسان وتسجل آلامه دون قيود.ربما كما بدأ الشعر العربي بالنثر،سيعود إليه،ولا مفر من ذلك.

  2. سيدتي الجميلة
    كم هو سطحي ومثير للشفقة ان تختزل أيها الكاتب المسكين الجمال في جسد، والمرأة في موقف، والحياة في فلم سينمائي.
    تلك المرأة المتعبة الكدودة هي أمي وأختي وزوجتي: لعلها كانت تكدح وتربي،و تعتني وتروي وتعمل من اجل زوج أو ابنة أو والدين أو مجتمع بأكمله، وهي عندي أجل وأسمى وأطهر من أن تقارن بشخصية سينمائية زائفة يتلذذ بها الغاوون.

    طوبى لك أيتها المرأة الملتفعة سواداً، وبؤسى لمن أعماه هواه عن بياض قلبك وعقلك وروحك الجميلة.

  3. موضوع جريء ولكن ..
    سيدي..
    ان تتحدث عن النساء وعن اجسادهم وبهذه الطريقة اللبقة امر صعب وليس بالسهل كون ان كثير من الناس سوف يقومن بتأويل المقال بطريقة خاطئة ..
    لكن ثمة تفاصيل كنت تستطيع الاستغناء عنها ولو انك قمت بحذفها لما تغير معنى ومنحنى المقال بل على العكس .. كما قلت تماما عن المقطع الذي لم ترغبه في ذلك الفيلم الذي حضرته مع صديقك ..
    اشكرك سيدي على هذه المواضيع الجميلة .

  4. انت شاعرحالم
    صباح الخير . كونك شاعرا تفكر بالمراة بانها مخلوق كامل وملاك لا ترى اجنحته . هذا هو الشعر
    انت حالم لولا هذه المراة التي رايتها ومثيلاتها لتحولنا الى عالم كسول ولانقرض الجنس البشري
    اما السواد فلا تغرنك الملابس فالسواد والبياض يكونان في الداخل ولا يعرضان لمن هب ودب
    تحياتي

  5. وجهة نظر
    مرحباأيها الشاعر في البداية أحييك أوافقك بعض ما تفكر به تجاه المرأة،لكن في بعض الاستفتاءات تتفوق المرأة العربية في الجمال على غيرها (في الأصداف توجد اللآلىء ) والمرأة روحا وليست جسدا فقط

انتخابات 2020
26 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock