فكر وأديان

فضائل الأخلاق الكريمة

د.علي جمعة *

 

العلماء الذين قاموا يحمون مرتبة الإحسان،‏ حتى تصل إلى درجة أن تعبد الله كأنك تراه،‏ قيدوا هذه الطريق أولا بالذكر والفكر،‏ والذكر أخذوه من القرآن الكريم.
قال تعالى‏: “فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ” (البقرة‏: 152)، وقال تعالى‏: “وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ” ‏(الأحزاب‏: 35)،‏ وقال تعالى‏:‏ “وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” (الأنفال‏: 45)،‏ وقال تعالى‏: “أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ” (الرعد‏: 28). إذن،‏ الذكر هو الطريق،‏ وكذلك الفكر والتدبر والتأمل في خلق السماوات والأرض،‏ في عالم النبات والحيوان،‏ فيما ينفع الناس‏:‏ “الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ” (آل عمران‏: 191).‏
إذن،‏ هناك فكر سطحي،‏ صاحبه ينظر بلا تأمل وتراه يجمع المعلومات، وهناك فكر عميق،‏ صاحبه يدخل في حقائق الأشياء،‏ وهناك فكر مستنير،‏ وهو أن يربط هذا بالإيمان بالله،‏ فيقول‏: “سُبْحَانَكَ‏”؛ فكلمة‏ “سُبْحَانَكَ‏” إنما تأتي في قمة التفكير في بديع صنع الله،‏ الدال عليه سبحانه وتعالى، وهذه هي حقيقة الإحسان‏.
إذن،‏ فالذين لا يريدون أن يتفكروا،‏ والذين لا يريدون أن يذكروا، بعيدون عن منهج الله،‏ والله سبحانه أمرنا بالذكر،‏ كما أمرنا بالفكر‏: “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (النساء: 82)،‏ “قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا” (النمل‏: 69)،‏ “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ” (العلق‏: 1)،‏ يعني‏:‏ يتأمل في الكون،‏ ثم يقول بعد ذلك‏: “اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالقَلَمِ” (العلق‏: 4-3)،‏ يعني‏:‏ الوحي،‏ فيتدبر في كتاب الله المنظور،‏ وهو الكون من حولنا،‏ ويتدبر في كتاب الله المسطور،‏ وهو الوحي‏:‏ القرآن والسنة الصحيحة،‏ ويتدبر -أيضا- في حال نفسه‏:‏ كتاب الله المقدور،‏ وهو الإنسان،‏ يتأمل في قوله تعالي‏: “الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآَنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ” (الرحمن‏: 4-1). إذن،‏ فهناك ثلاثية‏: القرآن،‏ والإنسان‏..‏ والأكوان،‏ يجب أن نتأمل ونتدبر فيها،‏ بذلك نكون من المفكرين في طريقنا إلى الله سبحانه وتعالى طريق الذكر،‏ والفكر‏.
ومنهج النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، في الذكر‏:‏ السعة،‏ فإذا جاء شخص يريد التقيد بما ورد،‏ فهو أحد رجلين،‏ الأول‏:‏ أنه أحب ما ورد في السنة ووجد قلبه فيه،‏ وهذا أمر محمود،‏ بل هو غاية المراد‏؛‏ لأنه قد عاش كلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم الوارد عنه في الأحاديث من دعاء ومن ذكر في مختلف المواطن،‏ وفهم معناه ووجد قلبه عنده،‏ فالأساس‏:‏ أن تجد قلبك‏.
والآخر‏:‏ يتقيد بما ورد،‏ ولكنه يؤديه إثبات حالة،‏ يريد أن يقنع نفسه أو يقنع الناس بأنه يتمسك بالمنهج النبوي،‏ فينكر على من خرج عن هذه الأذكار،‏ وهو بهذا الإنكار يخالف المنهج النبوي؛ فالمنهج النبوي كان على السعة.  تعال ننظر في السنة المشرفة‏:‏ رجل يذكر الله في الصلاة بما لم يسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم،‏ فإذا برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول بعد الصلاة‏:‏ من المتكلم في الصلاة؟‏ فلم يتكلم أحد -يسكت الرجل ويظن أنه قد أتى بخطأ- ثم قالها الثانية‏:‏ من المتكلم في الصلاة؟ فلم يتكلم أحد،‏ ثم قالها الثالثة‏:‏ من المتكلم في الصلاة؟ فقال رفاعة بن رافع بن عفراء‏:‏ أنا يا رسول الله.‏ قال‏:‏ كيف قلت؟،‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ ربنا ولك الحمد حمدا كثيرا طيبا طاهرا مباركا فيه‏.. إلى آخر الحديث.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لقد ابتدرها بضعة وثلاثون ملكا أيهم يصعد بها ‏(أخرجه الترمذي والنسائي‏)، وذلك قبل أن يقره النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم علمنا أن نذكر الله على السعة‏.
ومما يدل على أن الأصل في الذكر السعة ما ورد في التلبية،‏ ففي حديث جابر‏:‏ وأهل الناس بهذا الذي يهلون به،‏ فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم شيئا منه، ولزم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تلبيته‏ (صحيح مسلم‏). وكانت تلبية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم‏:‏ لبيك اللهم لبيك،‏ لبيك لا شريك لك لبيك،‏ إن الحمد والنعمة لك والملك،‏ لا شريك لك. في حين أن إنسانا يلبي،‏ فيقول‏:‏ لبيك حقا حقا،‏ لبيك تعبدا ورقا ‏(مسند البزار‏). وكان عبدالله بن عمر رضي الله عنهما يلبي،‏ فيقول‏:‏ لبيك لبيك وسعديك،‏ والخير بيديك لبيك،‏ والرغباء إليك والعمل‏ (صحيح مسلم‏)،‏ فيتركهم‏.‏
فأقر رسول الله هاتين الصيغتين اللتين لبى بهما أنس وعبدالله بن عمر وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم.‏ وفي هذا دليل على أن الأصل في الذكر السعة‏؛ فقد ذكروا الله تعالى بما يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابتداء‏.‏
فالأصل في الذكر السعة،‏ والمقصود أن نجد قلبنا عنده. ولذلك رأينا العلماء والصالحين عبر القرون يذكرون الأذكار مع أنها ليست واردة في السنة،‏ بل ويزيدون أيضا،‏ فمثلا يقولون‏:‏ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، فيزيدون‏:‏ وأدخلنا الجنة مع الأبرار،‏ يا عفو يا غفار،‏ دعاء وذكر بأسماء الله الحسنى،‏ وهو شيء حسن جميل،‏ قال تعالى‏:‏ “وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا” (الأعراف‏: 180).
إذن،‏ هذا النمط،‏ وهذا المنهج،‏ كان هو أساس طريق التصوف،‏ الذي هو مقيد بالذكر والفكر،‏ مقيد بالتخلي والتحلي‏؛‏ من أجل التجلي،‏ مقيد بقواعد،‏ منها‏: “أن ملتفتا لا يصل”،‏ وكل ذلك وارد بالتفصيل في الكتاب والسنة.‏ ومن أراد أن يحمل الناس أطرى على مذهبه،‏ وأن ينكر على منهج الكتاب والسنة فهو مخطئ.‏

* مفتي الديار المصرية.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock