آخر الأخبار حياتناحياتنا

فطائر زعتر وبرتقال.. إحياء للتراث الممزوج بخيرات “يافا”

تغريد السعايدة

عمان- منذ ساعات منتصف الليل؛ تفوح رائحة الزعتر في بيت سهاد مسعود تحضيرا لـ “طلبية” من فطائر الزعتر. أفراد العائلة جميعا يكونون في غاية السعادة والفرح وهم يتمتعون بما طاب من تراث الأهل من “فطائر” تحرص سهاد على وجودها في قاموس الأطعمة، لتجسد مقولة “باقون ما بقي الزعتر والزيتون”.
سهاد، موظفة، وربة منزل في الوقت ذاته، لم يمنعها حبها وتعلقها بالماضي الجميل، المرتبط بذاكرة الأهل والأم “اليافاوية”، من أن تصنع “منيو” خاصا بها للفطائر البلدية التراثية، لتقدمه لزبائنها مع قطع البرتقال “مجاناً” ليبقى برتقال يافا برائحته المتعشقة دائم الحضور في البيوت، مع أوراق الزعتر الطازجة.
ذلك الحب والتعلق، دفع سهاد لتأسيس مشروعها الخاص، بتشجيع من ابنها محمد (28 عاما)، وأطلقت عليه “فطائر زعتر وبرتقال”، ليتساءل الجميع عن الوصفة التي جمعت بها سهاد الزعتر مع البرتقال، ليكون تعليقها على ذلك بأنها “تسعى من خلال هذا المشروع الانتاجي المحافظة على تراث الأجداد والتذكير ببرتقال يافا الذي يتغنى برائحتهِ القوية وتغنى بها الأجداد عندما يتحدثون عن يافا”.
الفكرة كانت وليدة الصدفة، تقول سهاد، إذ كانت تحرص منذ زمن طويل على أن تستعين بالأكل الطبيعي الصحي لأطفالها بدلاً من الأغذية المصنعة والوجبات السريعة، التي يقبل عليها الصغار بكثرة في هذا الوقت، حتى أصبح ابناؤها، وحفيدها الصغير، يفضلون الزعتر على غيره من الأطعمة، لتعمم هذا التعلق بالأكل الشعبي بين افراد المجتمع.
وبعد أن أقدمت على صنع أول فطيرة زعتر، وجعلها خيار مع البرتقال، تلقى الكثيرون هذا المنتج القديم التراثي بكل حب، وبقي ابنها محمد يقف بجانب والدته خلال التحضير لخبز الفطائر، إذ يبقى برفقتها في المطبخ.
ومن الطحين الأسمر والأبيض ممزوجاً بزيت الزيتون “البِكر”، والبصل والزعتر الطازج الأخضر، الذي تشتريه سهاد من مزارع خاصة بذلك، يتم تحضير هذا المنتج الغذائي، وبالطريقة التقليدية التي تعملتها سهاد من والدتها، التي ورثت طريقتها أيضاً من الجدة.
وقررت سهاد أن تحافظ على هذا الموروث الذي ارتبط بالارض والأم والخبز التقليدي.
وتقول “لدي الكثير من الطموحات والأهداف التي سأعمل على تحقيقها ان شاء الله”، إذ بدأت مشروعها في نهاية العام الماضي، وصدرت المنتج إلى بعض الدول العربية، مثل: الإمارات والسعودية والكويت، حيث أقبل الكثيرون على شحنها معهم هدايا لأصدقائهم المغتربين، الذين تذكرهم تلك الروائح بالارض والأم والأكل البيتي.
غير انه ومع تفشي وباء كورونا، بات تصدير المنتج إلى دول أخرى أمرا في غاية الصعوبة، إلا أنها تنتظر تلك الفرصة المقبلة من أجل إعادة التصدير إلى الدول الأوروبية وأميركا، بعد أن تواصل معها الكثيرون ممن يرغبون بالحصول على الفطائر البلدية بزعترها وبرتقالها ورائحة الحب فيها.
هذا العمل الذي يعد نوعاً من تمكين سهاد “مادياً” كذلك، تعده عملا له أهداف أخرى وهو ترحيل تلك المنتجات من جيلٍ إلى جيل، حتى لا تغيب تلك الروائح عن بيوتنا وأحيائنا، وتذكرنا دوماً بالماضي العتيق الجميل، الذي أمسى الكثيرون يعودون إلى تلك التفاصيل الجميلة.
بكل حب وإتقان وسعادة تُقدم سهاد على الخبز والتحضير للفطائر، وتعمل على إيصال الطلبيات لزبائنها، الذين باتوا يعودون يوماً بعد يوم إليها في كل مرة يجربون فيه الفطائر، إلى الحد الذي تحرص فيه على الاستيقاظ من النوم ومعها ابنها محمد، في ساعة متأخرة من الليل استعداداً لطلبية الصباح الباكر، إذ تؤكد أن تناول الفطائر مع ساعات الصباح له رونق خاص ونكهة مميزة، خاصة مع قطع البرتقال التي تقدمها اضافة إلى الفطائر ونوعا من ربطها برائحة الارض.
وتهتم سهاد بالكثير من التفاصيل، وتقول:”كما أخبزها لعائلتي اقوم بتحضيرها للناس”، على حد تعبيرها، فالأمهات في السابق كن يستيقظن مبكراً يعجنّ ويخبزنّ ويجهزنّ تلك الفطائر قبل الفجر، ليتسنى للأسرة تناولها، ويذهب كل منهم إلى عمله او دراسته وهي تحاول ان تعيش تلك التفاصيل حتى ترى في نفسها والدتها “اليافاوية” التي ما أنفكت تتحدث عن برتقالها وخبزها وزعترها الغني.
وعدا عن ذلك، فإن هذا المشروع الريادي الذي تقوم به سهاد، يساعد في تمكين سبع سيدات آخريات، يقمن بمساعدتها في العمل، من خلال تجميع الزعتر وتحضيره وغسله ليكون جاهزاً للطبخ، وبذلك، فإنها تحرص على الاستمرارية في العمل والإنتاج، حتى تبقى تلك البيوت أيضاً عامرة بوجود سبع نساء ممكنات وعاملات ومنتجات في الوقت ذاته.
وتنصح سهاد جميع الأمهات وربات المنازل بأن يقدمن دائماً لابنائهن المنتجات الغذائية الصحية الطبيعية، التي حرص آباؤنا وأجدادنا على تناولها دوماً وكانت جزءًا من موروثهم الغذائي، حتى يبقى الأطفال بصحة جيدة ونظام غذائي سليم، ويحافظون على هذا الموروث الثقافي، إذ لم تعد العادات الغذائية القديمة جزءًا من ثقافة الشعوب وصورة لتراثها وطبيعتها وغناها.

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
40 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock