أفكار ومواقف

فقاعات الشهادات الجامعية والصحافة الإلكترونية

يسخر صديق قائلا: أنتم كُتاب المقالات، لن تجدوا بعد سنوات من يقرأ مقالاتكم، فمن يقرأ الصحف هم كبار السن؛ الآن عصر وسائل التواصل الاجتماعي. ولكن لماذا لن يقرؤونا في المواقع الالكترونية للصحف؟ صديقي الخبير، أجاب ضمنيا بأنّ أي موقع أو مقال أو صحيفة الكترونية لا تجد أكثر من عدة مئات أو آلاف قراءة للخبر الواحد، أو المقال، والسبب طبعا العدد الهائل من هذه المواقع.
في الواقع أنّه حتى رؤساء تحرير صحف ورقية، تحدثوا عن قرب نهاية عصر صحفهم الورقية، وكيف يتحولون رقمياً. عملياً، ربما يكون هذا صحيحا، ولكنه لا يعني أبداً، نهاية الصحف التقليدية، بل ربما على العكس، ربما نعود إلى عصر ما قبل الصناعة الرأسمالية في الإعلام.
في الماضي، قبل اكتشاف المطابع الحديثة، كانت الكتب تنسخ بخط اليد، أو تطبع بطريقة بدائية، فكان عددها (نسخها) محدودا، ولكن لا يعني أنها لم تكن موجودة، أو لم تكن مهمة ومؤثرة؛ فأفلاطون وأرسطو والفارابي وابن خلدون وكبار الشعراء عاشوا قبل صناعة الطباعة. أدى اكتشاف المطابع الحديثة ووسائل المواصلات المتطورة إلى سهولة طباعة وتوزيع صحف ومجلات وكتب. وكانت هناك صناعات ومؤسسات عملاقة تقود هذه العملية، وكان المتلقي أعدادا كبيرة من البشر والمرسل أعدادا قليلة. مع استمرار تزايد سهولة الطباعة والنشر ودخول الانترنت، صار عدد المرسلين كبيرا جدا، والنشر أسهل، وأصبح النشر والكتابة والإعلام تسلية، واقتنع كثير أنّهم “كُتّاب”، ثم اقتنعوا أنها مصدر دخل.
في الواقع ما حدث هو فقاعة ستُفقَأ. وقبل توضيح معنى هذا، يمكن الإشارة للجامعات أيضاً، لأنها مثل الصحف مرت في طور التحول الى صناعة.
قبل ربع قرن تقريباً كان الحصول على مقعد جامعي أمرا معقدا ومحدودا، أما الآن فالغالبية العظمى من الجامعات لا تجد طلاباً بالعدد الكافي.
على مدى نحو 25 عاما من العمل في مراكز الأبحاث والجامعات، أجزم أنه لا يوجد تعيين لشخص ليكتب مقالا أو بحثا، أو لتكليفه بعمل إعلامي أو بحثي، أو للتدريس، بسبب شهادته، بغض النظر من أي جامعة عالمية مرموقة تخرّج. بل وفقاً لما يقدمه من نماذج كتابية وأبحاث وقدراته في التحليل والاتصال، وتقول شركات الكمبيوتر والتكنولوجيا، أيضاً إن مسألة الشهادة الجامعية ليست الأساس في تعيين شخص، بل مهاراته. هذا يعني أن الشهادة الجامعية مجرد مؤشر أولي. وبالتالي من يحصل على الدكتوراه قد يبقى عاطلاً عن العمل، دون إثبات قدراته قبل تعيينه. أهمية الجامعة أنها تنظّم عملية التعليم وتؤمن متطلباتها وتوجد بيئةً لها، وليس منح الشهادات.
هذا العدد الهائل من الطلاب والجامعات، فقاعة قد تزول بالعودة للبحث عن الكفاءات الخاصة والماهرة.
بالمثل موضوع الصحافة؛ فتجد اليوم أخباراً لا تنته في وسائل التواصل الاجتماعي، والصحافة الالكترونية المجهولة النسب، التي تقوم على إعادة بث أخبار لقيطة متناثرة مثيرة. في المقابل لا تقع غالبية الصحف اليومية الرصينة بأخطاء نشر معلومات غير موثقة حقاً. وتدريجياً يصبح العدد الهائل من مصادر الإعلام غير المؤسسية الالكترونية، نوعا من التشظي والهشاشة والركاكة، غير المؤثرة. ويصبح وجود 3 – 4 مؤسسات إعلامية قوية هو الأساس.
سيتراجع توزيع الصحف، ولكن لن تقل أهمية المؤسسات الصحفية، إذا مارست دورها النخبوي في التمحيص والتدقيق والبحث عن المعلومة والتحليل الراقيين. سيكون جمهورها الجهات الرسمية والمتخصصة ونخب المثقفين، هؤلاء سيقرؤونها ورقيا والكترونياً، وأحياناً يدفعون قيمة اشتراكهم الالكتروني (يوجد الآن مصادر إعلامية ومعلوماتية وبحثية تصل قيمة الاشتراك السنوي فيها 200 ألف دولار تدفعها دول وحكومات وشركات عالمية). تماماً، مثلما تتحول دور نشر عالمية رصينة، لطباعة نسخ من كتب خضعت لعمليات التمحيص الأكاديمي المحكمة، بعدد محدود، بحسب الطلب، ولكن هذه الكتب مهمة للمكتبات والمختصين.
باختصار السهولة الفائقة للنشر والتعليم الجامعي، تعيدنا تدريجياً لعصر ما قبل الصناعة؛ إلى النخبوية. سيكون الكاتب والباحث والمهندس والعالم المميز، قادرين على التأثير في النخب السياسية، والصناعية، والتجارية، والنخب هي من سيؤثر عبر السياسات والاتصال المباشر بالجمهور، أما الإعلام الاجتماعي، ووسائل النشر المفتوحة المجانية، فهي كغالبية الشهادات الجامعية حالياً، مجرد أحاديث وديكورات واحتفالات اجتماعية للتسلية، وغير مهمة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock