أفكار ومواقفالسلايدر الرئيسي

فقراء الأردن ومتهما “الفتنة”

مكرم أحمد الطراونة

لست معنيا بصورة باسم عوض الله التي ظهرت وهو في طريقه إلى المحكمة في أولى جلسات المحاكمة التي عرفت بـ”قضية الفتنة”، وإن كانت تلك الصورة قد أنعشت عيون ملايين الأردنيين الذين لطالما آمنوا بضرورة خضوعه للمحاكمة، وكانوا على ثقة بأنه علامة سلبية فارقة في تاريخ هذا البلد، وتحديدا على الصعيد الاقتصادي قبل أن نصطدم بسلوكه الأمني أيضا.
الحال ينطبق على المتهم الثاني حسن بن زيد، كذلك، والذي أظهرت التسجيلات الصوتية المسربة حجم الحقد والغل والكره للملك وللنظام وللوطن، كما لو أنه يتحدث عن عدو مبين، وينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض عليه. قد نتفق أو نختلف مع الحكومات وسياساتها، وكذلك مع بعض التوجهات في الدولة، لكن لا يمكن القبول بفكرة الطعن والغدر بمن فتح لهما أبواب الحياة.
بالتأكيد لم يكن المتهمان من أبناء جلدتنا، فهما لا يشبهان الأردنيين الذين يحفظون المعروف، ويترك في عقولهم وقلوبهم أثرا لا يمحوه الزمن. ماذا كان ينقصهما لكي لا يكونا بهذا القدر من الحقد والغل، وهما اللذان ذاقا نعيم الحياة على يد الدولة، فالأول شريف عاش في كنف الديوان الملكي، وترعرع فيه، ويفترض أن يكون قد نهل من نبع الانتماء والوفاء لليد التي أسندته في دراسته وحياته.
أما الثاني فقد تلذذ بالمناصب والمواقع القيادية، وفتحت له الدولة أبوابها لأن يكون ذا شأن، لتتسع خزائنه من المال، بينما حياته ترفل بالجاه والسلطة، فيما حملته هذه المواقع إلى العالم، ليكون مقربا من قادة عرب وعالميين، ومع كل ذلك لم يتوان عن غرس أنيابه في خاصرة الدولة التي مدت له يدها ومهدت له كثيرا من الطرق.
ماذا ترك عوض الله والشريف من ردة فعل لمن عفر جبينه بالعرق والتعب والخذلان من سياسات حكومية متعاقبة دفعته للفقر والعوز والحاجة؟ ماذا تركا لمن شاهد أطفاله وهم يكبرون وتصغر معهم أحلامهم صعبة التحقق. ماذا تركا للمرضى الباحثين عن ثمن علاج، وللشباب العاطلين عن العمل، ممن باتوا يفكرون بالهجرة؛ هجرة المكان لا الانتماء، ومع ذلك بقوا قابضين على جمر الألم، وحاملين في دواخلهم أملا بغد أفضل، لهم ولوطنهم.
ماذا تركا لمن يمضي عمره وهو يبحث عن إثبات الذات، ممن ينتظر اسمه في جداول التعيينات في ديوان الخدمة المدنية، بينما هو يدرك أنه لن ينال مبتغاه. ماذا سيفعل الشباب الرياديون الباحثون عن حاضنة تتبنى أفكارهم، وقد فقدوا حماستهم أمام تخاذل حكومات لم تدرك حتى اليوم أهميتهم لبناء مستقبل الوطن؟ بالتأكيد، لا أبرر لهؤلاء أن يفعلوا ما فعل عوض الله والشريف، لكن قد أفكر للحظة أن اليأس قد يؤثر في آرائهم وسلوكهم وتصرفاتهم، لكنهم حتما لن يكونوا كما هذين المتهمين، فالأردنيون مهما عاندتهم الحياة فسرعان ما ينغمسون في الهدوء والتصالح مع الذات.
الشريف وعوض الله لا يمثلان مجتمعا بأكمله، فهما حالتان شاذتان نفثا السم في صحن ذاقا حلاوته. حالتان زادتا من إحباط الناس بشأن الثقة التي قد ينالها من لا يستحق في هذا المجتمع. هذا الإحباط الذي قد تزول بعض عوارضه عند الاطمئنان على أنهما نالا عقابا يستحقانه. عقابا ينبغي أن ينطوي على رسالة للجميع بأن كل شيء في هذه الدولة مقبول ويمكن احتماله، إلا الخيانة وتهديد السلم والأمن المجتمعيين!

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock