أفكار ومواقف

“فقر التعلم” وفقر البيانات الوطنية

“التربية تكذب البنك الدولي”؛ عنوان لخبر نشر مطلع الأسبوع في عدد من وسائل إعلامنا المحلية، مفاده بأن وزارة التربية والتعليم تشكك بالنسب الصادرة عن البنك الدولي حول معاناة 52 % من تلاميذ المرحلة الابتدائية من “فقر التعلم”، وتقول إنها غير دقيقة ومبنية على معلومات قديمة.
ما جاء في تقرير البنك الدولي كان موجعا ومفزعا، ونتمنى بالتأكيد ألا يكون صحيحا، لكن صدور تصريح من التربية بعدم دقة ما جاء فيه من نسب غير كافٍ لإثبات أن واقعنا التعليمي ليس بهذا السوء في ظل شح البيانات التفصيلية المنشورة حول نتائج المسوح الميدانية.
التربية تحدثت عن مسح وطني أجرته خلال العامين 2017 و2018، وقالت إن المسح أظهر أن 60 % من طلبة الصفين الثاني والثالث قادرون على استيعاب 80 % مما يقرؤون، وإن 73 % من طلبة الصف الثالث يقرؤون بفهم قراءة صامتة مدة 3 دقائق.
في الوقت ذاته، فقد كان آخر إعلان عن نتائج مسح وطني أعلن عنه في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، أجري نهاية العام الدراسي 2016/2017، وأظهرت نتائجه حينها تحسن معدل القراءة للصفين الثاني والثالث من 18 % في العام 2014 الى حوالي 22 % في العام 2017، ولم يعلن عن نتائج أي مسوح بعد ذلك، ولم يتم الحديث عن إجراء أي مسوح لاحقة.
لا أتحدث هنا عن وجود تناقض في البيانات، وإنما عن عدم الإفصاح بشكل واضح وتفصيلي عن نتائج المسوح وإدراج تعريف إجرائي للمصطلحات المستخدمة يساعد على فهم النتائج، ونشرها بحيث يسهل الرجوع إليها، إضافة إلى عدم وجود بيانات محدثة.
تعبير “معدلات القراءة” المستخدم في نتائج مسح العام 2016/2017 وقيل إنه تحسن ليصل 22 %، لم يفهم فيما إذا كان يقصد به القدرة على القراءة بفهم، أم القدرة على القراءة أساسا، أم غيرهما، كما لم يتضمن الإعلان الأخير لوزارة التربية نسب مقابلة تخص “معدلات القراءة” من المسح الذي قالت إنه أجري في العامين 2017 و2018 ليتم مقارنتها بنتائج المسح السابق.
إضافة إلى ذلك، فإن الإعلان الأخير والذي جاء ردا على تقرير البنك الدولي، لم يوضح نسبة الطلبة الذين يعانون من “فقر التعلم”، ولم يشر أيضا إلى الآلية المستخدمة في تقييم فهم الطلاب للقراءة “الصامتة”، وهل من فرق بين الفهم أثناء القراءة الصامتة والجهرية؟
وقبل هذا وذاك لماذا لم نسمع عن هذا المسح ولم تصدر أي نتائج حوله إلا بعد “فضيحة” التقرير الصادر عن البنك الدولي؟
المسألة المهمة التي ينبغي التنبيه إليها، هي الفرق بين “فقر التعلم” الذي تحدث عنه البنك الدولي، وهو عدم القدرة على قراءة نص قصير، قد لا يتعدى 100 كلمة، والتعبير عنه بكلام واع من صياغة الطالب، وبين عدم القدرة على القراءة أو الكتابة، وهي التي نعبر عنها بمصطلح “الأمية”.
بالتأكيد، نتمنى أن تكون بيانات البنك الدولي غير صحيحة، لكن، حين نلمس يوميا انخفاضا عاما في مستوى تحصيل أبنائنا وبناتنا وفي قدرتهم على القراءة والذي ينعكس على قدراتهم الكتابية والتعبيرية ويحدد بالطبع درجة استيعابهم ومستوى تحصيلهم لمختلف العلوم، فإننا نحتاج من وزارة التربية أن تكون أكثر شفافية ووضوحا حول واقع التعليم لدينا.
نتائج المسوح الوطنية يجب أن تحدث باستمرار وأن تكون منشورة وفي متناول يد الجميع بحيث يتسنى لكل من يرغب الاطلاع على تفاصيلها وآلياتها وأدوات القياس فيها، لا أن يأتي الإعلان عنها فقط لـ”تكذيب” تقرير للبنك الدولي يقول لنا إن تعليمنا وصل الحضيض، إن طلابنا على شفا الهاوية!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock