فكر وأديان

فقه الصيام

د. هاشم غرايبة

منذ الطفولة، تزرع في عقول الناشئة مفاهيم خاطئة فيما يتعلق بالدين، الهدف منها ترسيخ الفكرة العلمانية، بأن الدين مجرد طقوس وشكليات تعبدية، وليس تشريعات بشكل قوانين وتعليمات ناظمة لحياة الناس، تحقق صلاح المجتمع وتكفل الحياة السعيدة للبشر.
المناهج المدرسية تعلم التلاميذ أن الغرض من الصيام هو أن يحس المرء بالجوع فيشعر بالتعاطف مع الفقراء المحرومين من الطعام، قد يكون تبسيط ذلك التعليل مقبولا لو أنه قصد به أن يكون ضمن قدرة الصغار على تصوره، لكن الطفل يكبر ولا تجد في تلك المناهج تطويرا ولا تعمقا في التفسير، مما يجعل عقل الشاب رافضا لذلك التعليل، فيتساءل: إن كان كذلك فلماذا يصوم المحروم من الطعام فهو لا يحتاج للتذكير بالمحرومين من الطعام إذا هو منهم؟، كما يبرز السؤال: وهل الفقر حرمان من الطعام بالمطلق.. الأمر الذي لم يعد واردا في هذا الزمان، أم أن الفقر بات يعني الحرمان من أساسيات كثيرة في الحياة أصبحت من الضروريات.
لذلك فهذا التفسير تسطيح للأمر، لإفراغ الصيام من الحكم العظيمة التي وجد من أجلها، والتي بينها الخالق عز وجل ملخصة في عبارة: “لعلكم تتقون”.
بداية لا بد من التذكير بحقيقة قد يغفل عنها البعض، وهي أن جميع الكائنات الحية سواء كانت أولية أو متطورة، نباتات أم حيوانات، جميعها تتمحور حياتها حول الطعام، فهو مصدر بقائها ووقود الطاقة التي تشغل أجهزتها.
منذ بدء اليوم تتسابق جميع الكائنات الى البحث عن الطعام وتناوله، ولا تنشغل بغيره إلا أن تنال كفايتها قوت يومها، وبعضها قد حباها الله بالقدرة على تخزين الزائد على حاجتها.
الإنسان استثناء، كرمه الله بالعقل وآلياته، لذلك فقد استخدمه لتطوير أساليب لتوفير الطعام بكميات كبيرة تغنيه عن الركض يوميا لطلبه، وإكثار منتجاته بالزراعة وتربية الماشية وحفظ المواد الغذائية لفترات خارج مواسمها الطبيعية.
ذلك وفر للإنسان الأمان الغذائي، فبات لديه وقت طويل من يومه، يقضيه في تحسين ظروف معيشته، وما يزيد عليه يقضيه في التأمل في عجائب هذا الكون وبدائع موجوداته، متوافقا بذلك مع حاجته الفطرية للبحث عن معنى وجوده وصولا الى معرفة الخالق… وبذلك يدرك أنه لم يوجد فقط لمعيشة بدائية بلا شاغل إلا الحفاظ على البقاء بتناول الطعام كالكائنات الأخرى، بل إن لوجوده معنى ولحياته رسالة.
يقول تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ” (البقرة: 183).
الخطاب هنا موجه الى المؤمنين، وهم الذين آمنوا بالله وبما أنزله على رسوله، وبالتالي فإن ذلك يعنى حكما المسلمين، وكتب الله عليهم الصيام يعني أن قراره هذا بفرض الصيام قطعي، لكنه أوضح لهم أن ذلك ليس بدعا بين من أنعم الله عليهم برسالاته، فقد فرضه على أتباع الرسالات السابقة أيضا، وأما الحكمة من وراء هذه الفريضة فهي تأهيلهم لاكتساب صفة المتقين.
التقوى هي المنتج الأول للإيمان بالله واليوم الآخر، وهنالك الكثير مما يجدر إيراده في تبيان معانيه وأوجهه وكيفية تحققه بشكل عام وكيف يتحقق بالصيام تخصيصاً، لكني سأحاول الاختصار بتركيز.
التقوى هي تَمثل الله حاضرا مراقبا للمرء في كل أفعاله وأقواله، وتقتضي تبعا لذلك لمن أحب الله أن تكون سلوكات المرء محسوبة بدقة، حياء من المنعم المتفضل بكل النعم التي يرتع فيها، ومنضبطة بما يرضي الخالق القادر على سلب تلك النعم أو مباركتها، كما تكون لمن كان يخشى الله ويوقن بيوم الحساب، أن يتجنب ما نهاه الله عنه فيتقي غضبه وسخطه يوم لقائه.
وبما أن المؤمن حريص على كل ذلك، لذا فالتقوى هي سمة الإيمان الدالة عليه.
لكن كيف يحقق الصيام التقوى؟.
الطعام -كما تبين سالفاً- هو أساس حياة الكائنات الحية، لكن تميز الإنسان عنها بما كرمه الله به، جعل تلبية تلك الحاجة خاضعا لقواعد وضوابط، فارتفع التعامل معها من الحالة البهيمية التي تتخاطف فيها الحيوانات الطعام وتزدرده بسرعة لتحصل أكبر كمية ممكنة، الى حالة احتفالية راقية، يُؤْثر الشخص غيره، ويخصه بالأفضل، كما يحدد المرء لنفسه الكمية فيكتفي بما قبل الشبع.
هذه القواعد الاجتماعية ارتقت بأسلوب تناول الطعام، لكن القواعد الشرعية ارتقت بالنوع بتحريم الخبيث الضار كالدم والميتة ولحم الخنزير والخمر.
وهنالك ارتقاء ثالث أرقى من كل ما سبق وهو تنظيم زمان تناول الطعام، بحيث يمتنع المرء اختياريا عن تناوله طوال نهارات شهر مضان.
هذا الشهر هو بمثابة تمرين على ضبط النفس للارتقاء بها أكثر، والمشقة التي يلاقيها المرء جراء معاندته لحاجة أساسية لجسده، هي تمرين بالذخيرة الحية على ارتقاء العقل والوجدان بتحرره من المحددات البهيمية البدائية، فتتدرب النفس عمليا على الإنطلاق خارج الجسد ومطالبه المادية (الشبع والارتواء)، فيصبح في مقدور العقل الذي تمكن من إقناع الشخص بعدم الرضوخ للمطالب الجسدية لتلبية الجوع والعطش، يصبح بإمكانه إقناع النفس بالتحرر من الرغبات والشهوات والمتع… والتي كانت العائق الأساس أمام التقوى.
هكذا نفهم معنى فعل الترجي (لعل) في قوله تعالى “لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ”، فالتقوى هنا متدرجة ونسبية، تزداد عمقا وترتقي درجة كلما قويت الإرادة.
فأي شيء يفوق قوة إرادة شخص صائم يتحرق عطشا؟!، ليس لعدم وجود ما يشربه، بل هو يرى كأس ماء باردا في متناوله، لكنه يأبى، وما يمنعه خوف من أحد، لكنها الإرادة التي تقهر كل المغريات.
هذه الإرادة المدعومة بعزيمة تدعمها هي العقيدة الإيمانية، تتقوى بالتمرين الحي وبالمعاناة والمكابدة، وتتكرر كل عام شهرا، في نهايته يتخرج المؤمن بنجاح وقد استحق مرتبة التقوى.
هكذا يحقق الصيام التقوى.
لقد كرم الله بني آدم بما لم يكرم به كل مخلوقاته التي لا تعد ولا تحصى، فحباه بالكثير من النعم، مما جعل الإنسان يرى نفسه كائنا جبارا، فقد ساد على كل الكائنات بعقله، واستطاع أن يكيّف كل محيطه لصالحه، وقد يتملكه الغرور إزاء ذلك، فيظن أنه قادر على قهر كل ما يعترضه، وينسى أنه مخلوق يخضع لسيطرة من خلقه، لذلك جعل الله مع كل تفوق يتباهى به نقصا لتذكيره بهذه الحقيقة.
إن حقيقة أن الإنسان العاقل لا يركن الى إمكاناته وقدراته مهما عظمت، بل هو بحاجة الى منقذ قدير، وفي أي لحظة، فالوظائف الجسدية والحواس والملكات العقلية باهرة الأداء، قد يتعطل أي منها فجأة بسبب مرض أو خلل في الأداء أو حادث، والظروف المعيشية المريحة قد يكتنفها عارض ينغص عليه معيشته، فيكفيه وقوعه في أزمة واحدة منها، تضيق معها سبل الحياة بما رحبت، لكي يدرك تلك الحقيقة.
في أي عارضة من تلك العوارض ينتبه المرء الى ضعفه، فإذا به ليس جبارا عتيّاً كما كان يتوهم، بل يرى نفسه كطفل وليد يستصرخ العون، فيتلفت حوله فلا يلقى إلا أناسا مثله، وليس هنالك من كائنات أقوى ولا أكثر حولا يمكنها أن تنجده، ويبحث عن منفذ من هذا الضيق فلا يجد، حتى أكثر المراكز الطبية تقدما يجدها عاجزة عن إنقاذه من براثن مرض عضال لم يتوصل العلم لعلاجه، أو حالات طبية تنجم عن الخرف المناعي الذي يصيب جهاز المناعة الذاتي، فيبدأ بمهاجمة بعض أنواع من الخلايا الطبيعية باعتقاده أنها غريبة دخيلة، مما ينتج (حربا أهلية) داخل الجسد لا تنتهي إلا بالتدمير الذاتي الشامل له.
هنا يظهر باب للفرج لا يفتح لغير المؤمن، إنه التقوى: فهو نجدة من الضيق كله سواء كان متعلقا بنقص في الصحة والعافية، أو بقدر في الرزق، أو بنكد العيش، “وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ” (الطلاق:2)، لكنه ليس مجانيا، بل له ثمن مسبق الأداء.. هو طاعة الله.
ثمن التقوى غير مكلف، ويقدر عليه كل مؤمن، إنه بالالتزام بأوامر الله ونواهيه، وهو على أي حال فيه خير للمرء نفسه وصلاح لأمره، وليس فيه خسارة إلا لبعض الرغبات العارضة غير الأساسية في حياة المرء، لكن من كرم الخالق أن جعل لكل شهوة قناة نظيفة مشروعة تفرغ من خلالها الطاقة المكبوتة.
التقوى إذن تأمين للمرء من الحوادث التي لا يدرؤها حذر ولا تنجي منها نباهة، هي تكلفة دائمة لكنها ضئيلة مقابل الكسب العظيم المتحقق منها مرتين: الدنيا والآخرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock