أفكار ومواقف

“فلتسقط جارة كندا”..!

للفنان الكبير الراحل، ناجي العلي، رسم كاريكاتوري يرفع فيه “الكادح” يافطة خُطت عليها عبارة “فلتسقُط جارةُ كندا”. ولهذا الرسم قصة.
يقال ان السفارة الأميركية فى الكويت احتجت على رسومات ناجي التي اعتبرتها معادية، فقيل له: “خفِّف يا بوخالد شوية، ولا تجيب اسم أميركا الله يهداك”. ورسم ناجي دون أن يأتي على ذكر أميركا بالاسم، لكنه ضمّنها في رسمه بالتلميح دون التصريح.
من المعروف أننا أمة بارعة –تاريخيا- في المجازات والإلماحات و”إياكِ أعني فاسمعي يا جارة”. لكن الأهوال التي حطت على رأس العرب طالبتهم دائما بالهبوط من ثريا المجاز إلى ثرى الواقع. وأصبح “المجاز”، بتنويعاته، منتقداً عند دعاة الواقعية الدنيوية. إنك حتى تتعامل مع هذا العالَم، يجب أن ترى الأشياء كما هي، وأن تسمّيها بأسمائها، كما هي. والدعوة محقّة. سوف تمر بك القطارات وتبقى في المحطة إذا ظللت تحلم ببساط الريح.
لكن المجازات تتشبث بالخطاب العربي، كجزء من “الواقعية” العربية وتعريفنا الخاص لما هو عملي. كثيراً جداً ما تكون لديك فكرة واضحة، يمكن التعبير عنها بكلام مباشر دقيق الدلالة، لكنك إذا وصفتها كما هي ستعاني. فالصراحة ليست ممارسة محمودة، على أي مستوى. وقد يُصنّف صاحب اللغة الصريحة متمرداً؛ “ثورجياً”، أو مفتقراً إلى الكياسة على أقل تقدير.
والذي يخسر دائماً هو الحقيقة الواضحة، لصالح الغموض والضباب والطرق الالتفافية الطويلة. ولذلك، لا يتسامحون هنا مع التشخيص المباشر والصريح للقوى والآليات التي تشكل الحاضر والمصير. ولذلك، لا مكان لأصوات المفكرين الرصينين يستطيعون أن يصفوا العلل والحلول. ولذلك، يظل الكبح المتطرف لحرية التعبير عقيدة مشتركة من المحيط إلى الخليج.
والمتاح؟ الاجتهاد في عدم ذكر الأشياء بالأسماء، مراعاة للحساسيات، وتجنباً لملامسة المحرمات وقدح الشخصيات، والابتكار التلميح والاعتماد على ذكاء المتلقي ليجد العلاقات. ويعرف المشتغلون في مجالات تتيح لهم منصة للخطاب العام هذه الشروط.
مثلاً، إذا أردت تريد تحليل حدث عربي ولم ترد الاحتفاظ بخلاصاتك لنفسك، فإنك لا تستطيع أن تذكر دولة عربية شقيقة، أو شخصية سياسية عربية مرموقة، إذا كان في رؤيتك –التحليلية، العلمية، المعتمدة على الحقائق الثابتة المؤكدة والمعلنة- “ما يسيء” إلى هؤلاء. و”ما يسي” هو ذكر الحقيقة. ولا يهم أن يكون غرضك تكوين أطروحة تقترح خلاصات وتتعقب علاقات. إنك لا يمكن أن تبدأ الإصلاح بذكر العيوب، سيقولون لك. لماذا لا تبدأ بسرد الفضائل وتنطلق منها إلى حيث تريد؟
وتبعات ذكر الحقيقة في المجال العام حقيقية. سيقال إنك تخرِّب العلاقات الأخوية بين الدول، وتضر بمصلحة بلدك القومية. وقد تفعل! هناك حقاً من سيتصل بأحد ويعاتب –على الأقل- على السماح لأحد بالإساءة. وقد تتجاوز المسائل العتاب. وبعد كل شيء، طلبت أميركا نفسها من أحد أن يكبح جماح ناجي العلي. وكان ناجي يبحث طوال حياته عن مكان يُسمح له فيه بأن يقول الحقيقة كما يراها، من دون أن يضطر إلى إغراق الحقيقة في المجاز.
سوف يكتب أحد، على طريقة “فلتسقط جارة كندا”، لقد “فعلت كذا دولة عربية غنية”، مثلاً، من دون أن يذكر الاسم ولا الإقليم الضيق، إذا كان ما فعلته الدولة شيئاً تريد أن تخبئه على طريقة النعامة والرمل. وبذلك، يضيع مقصده بين القبائل فلا يطاله الثأر الخارجي أو العقاب الداخلي. وفي المقابل، سوفَ يعطى كل المساحةِ لذكر بلاد وشخصيات بالاسم، فلا يترك عليهم ستراً مغطى إذا كانت الشروط تختلف. أما أميركا فلم تعد تهتم ولا تعاتب.
بطبيعة الحال، لا مكان في أنحائنا لشيء مثل “قول الحقيقة في وجه السلطة”. و”السلطة” هنا أكبر من الوطن العربي، من الأب في البيت، والأستاذ في المدرسة، والشيخ في الجامع، إلى كل وأي مسؤول في الحكومة. وإذا كان ثمة شيء، فالذهاب إلى ما ذهب إليه ناجي العلي، العنيد، والاستنجاد بالمجاز: “صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى مرجوح بقرينة”.
عذراً على كثرة المجازات في هذه المحاولة. فبعد كل شيء، نحن أبناء ثقافة ترى في “صرف اللفظ عن معناه الظاهر” علامة على الفصاحة –ولو بلا إفصاح!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock