ترجمات

فلسطين: بين النظام الدولي المجحف والقيادة المترددة

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

حسن عفيف الحسن* – (ذا بالستاين كرونيكل) 14/11/2014

في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2012، مررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً يعترف بفلسطين كدولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، بأغلبية بلغت 138 صوتاً دعمت القرار، في مقابل 9 أصوات عارضته، بما فيها الولايات المتحدة، وامتناع 41 دولة عن التصويت، بما فيها بريطانيا وألمانيا. وحينذاك، قالت سوزان رايس، ممثلة الولايات المتحدة، أنها صوتت ضد “القرار المؤسف وغير البناء” لأنه يضع المزيد من العراقيل في طريق السلام. وقالت إن الفلسطينيين، بهذا القرار، سوف “يكتشفون أن القليل في حياتهم قد تغير”، وأن أي تقدم في اتجاه السلام ينبغي إحرازه فقط من خلال المفاوضات بين طرفي الصراع. والنسبة لصانعي السياسات الأميركيين، أصبحت “عملية السلام” المستمرة منذ العام 1993 مهددة بسبب قرار سلمي اتخذته منظمة تابعة للأمم المتحدة! وتعتقد الولايات المتحدة أن إقامة الفلسطينيين دولة على 20 في المائة من وطن الأجداد هو مجرد تطلُّع لا ينبغي له أن يتحقق من دون موافقة إسرائيلية. ويثير تصويت الولايات المتحدة ضد القرار الكثير من التساؤلات حول نزاهة ومصداقية الدور الذي تضطلع به الولايات المتحدة في الحفاظ على السلام والعدالة الدوليين.
يؤهل وضع الدولة غير العضو الفلسطينيين للانضمام إلى العديد من المعاهدات والمواثيق الدولية، وتحدي الوضع الراهن والانتهاكات الإسرائيلية المستمرة لحقوق الإنسان. وهم يستطيعون مقاضاة إسرائيل وقادتها على جرائم الحرب التي ارتكبوها في حق الشعب الفلسطيني في الحروب السابقة. وهناك تعاطف مع القضية الفلسطينية على امتداد الطيف الدولي: في أفريقيا، وأميركا الجنوبية وبعض الدول الأوروبية. ولكن، وفي غياب ضغط أميركي على إسرائيل، فإنه ليس هناك أي طرف آخر، بما في ذلك الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية، والذي يمكن أن يمارس أي تأثير.
في 12 تشرين الأول (أكتوبر) 2014، صوت أعضاء من مجلس العموم البريطاني، معظمهم من حزب العمال المعارض، بنسبة 274 صوتاً مقابل 12 على تمرير قرار غير ملزم ينص على الآتي: “يعتقد هذا المجلس بأن على الحكومة أن تعترف بالدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، مساهمة منها في إنقاذ حل دولتين متفاوض عليه”. ويشير هذا التصويت إلى أن إسرائيل شرعت في فقدان دعم الرأي العام وبعض من أكثر مؤيدها تحمساً في بريطانيا. وهذا تطور مرحب به، لكنه لا يمكن أن يُعامل باعتباره تعويضاً عن رعاية بريطانيا للمشروع الاستعماري الصهيوني الوحشي في فلسطين. ومن غير المرجح أن يغير هذا التصويت سياسة الحكومة البريطانية المعارضة لقيام الدولة الفلسطينية عند هذه النقطة، ولكنه حتى لو كان التصويت ملزماً، فإنه لن يُحدث أيّ فرق في حيوات أجيال من اللاجئين الفلسطينيين المشردين، أو خسرانهم الآلاف من الأرواح البريئة التي ذهبت ضحية لسياسات بريطانيا العنصرية. ولا يكاد هذا التصويت يُحدث فارقاً اليوم، في وقت ستكون فيه الدولة الفلسطينية -إذا قيض لها أن تتحقق- قائمة في الضفة الغربية ومناطق القدس المثقلة بالمستوطنات المخصصة لليهود فقط، والطرق الالتفافية السريعة الحصرية في الأراضي الفلسطينية. ذلك أن بريطانيا التي أعطت فلسطين للصهاينة في أوائل القرن العشرين ليست نفس بريطانيا التي ربما تعترف بـ”دولة فلسطين” اليوم.
عندما أصدرت بريطانيا العظمى وعد بلفور، كانت هي القوة العظمى العالمية ذات النفوذ الكوني الذي لا يضاهى، والتي هيمنت على العديد من أجزاء الكرة الأرضية، بحيث قيل إن “الشمس لا تغيب أبداً عن الإمبراطورية البريطانية”. ولذلك، كانت إعلاناتها ومواقفها تعني شيئاً كبيراً في ذلك الحين. أما اليوم، فإن لقرار مجلس العموم البريطاني غير الملزم وزنا أقل بكثير من إعلان رئيس الوزراء السويدي ستيفان لوفين عن عزم حكومته من يسار الوسط الاعتراف بدولة فلسطين. وبعد أسبوع من ذلك الإعلان، أوفت الحكومة السويدية بوعدها. وحتى مع عضويتها الدائمة في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، فإن الحكومة في لندن لا تعرض أي استقلال عن واشنطن في قرارات السياسة الخارجية المهمة. ووفقاً لريتشارد هالوران، المراسل السابق لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن “بريطانيا أصبحت ببعض الطرق أشبه بمستعمرة أميركية أو “كلب مدلل، كما يعبر عن ذلك بعض الساخرين البريطانيين من باب النقد الذاتي)”. كما أن لديها مشكلاتها الخاصة أيضاً. وقبل بضعة أسابيع، كانت بريطانياً على وشك أن تصبح أصغر بشكل محرج لو أن الشعب الأسكتلندي قرر الانفصال.
بعد سنوات مما يُدعى “اتفاقيات أوسلو”، و”مفاوضات السلام”، و”خرائط الطريق”، وخيبات الأمل من فشل المجتمع الدولي في وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي أو وقف النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية، أعلن قادة السلطة الفلسطينية عن خطط لإعلان دولة فلسطينية من جانب واحد على الأراضي المحتلة في العام 1967 مرة أخرى، ثم المطالبة بالاعتراف في الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي. وكان الفلسطينيون قد أعلنوا عن قيام مثل هذه الدولة في العام 1988، لكنها قوبلت بالتجاهل من المجتمع الدولي وتم نسيان الموضوع برمته بعد اتفاقيات أوسلو. والآن، تخطط القيادة الفلسطينية لتأسيس دولتها عن طريق السعي إلى استصدار قرار من مجلس الأمن يدعو إسرائيل للانسحاب إلى خطوط ما قبل العام 1967 في غضون ثلاث سنوات. لكن مجلس الأمن لن يكون مضيافاً للفلسطينيين مثل الجمعية العامة، بما أن القوى الكبرى يمكن أن تمارس فيه حق النقض “الفيتو”.
أتمنى لو أن مجلس الأمن يستطيع أن يكبح جماح إسرائيل ويجلب احتلالاً دام نصف قرن إلى نهايته، لكن هذا يبقى أقرب إلى الحلم منه إلى الحقيقة. إن مثل هذا القرار سوف يُقابل بالنقض من الولايات المتحدة. وقد أخفق مجلس الأمن الذي تم تأسيسه لصيانة السلام والأمن في العالم، حتى في إدانة النشاطات الاستيطانية الإسرائيلية الهائلة، وضم القدس، ومصادرات الأراضي، وجدار الفصل العنصري، وانتهاكات حقوق الإنسان اليومية التي تُمارس ضد الفلسطينيين. وكان جيمي كارتر والأسقف توتو قد خلصا إلى أن إسرائيل مارست الاستعمار والفصل العنصري ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. ومررت الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً في العام 2003 يدين جدار الفصل العنصري ودعت إلى وقف بنائه، لكن إسرائيل تجاهلت كل ذلك ولم تحفل به على الإطلاق.
تقع قوة حق النقض المكفولة للأعضاء الدائمين في القلب من أسباب إخفاق مجلس الأمن في أداء مهمته المعلنة. وكانت وفود من 50 دولة قد تبنت ميثاقه في العام 1945 من أجل صيانة السلام والأمن العالميين، لكنه أخفق، مرة تلو الأخرى، في حل الصراعات الدولية منذ ذلك الحين. وظلت الطرق الوحيدة المتاحة إلى الاستقلال والحرية للأمم المستعمرة والمضطهدة هي تلك التي تمر عبر المقاطعة، والعصيان المدني، والعنف، والحرب وسفك الدماء.
كان الاستقلال الأكثر شهرة لدولة من خلال النضال غير العنيف هو استقلال الهند في العام 1947، لكن المقاطعة الشعبية الهندية للمنتجات البريطانية والعصيان المدني هي الأسباب التي جعلت المحافظة على استعمار بريطانيا للهند مكلفاً للغاية. وجاء استقلال الباكستان عن الهند بكلفة حرب أهلية حصدت أرواح ما يقدر بنحو نصف مليون من المدنيين، فيما وصفه المؤرخون بأنه “العقاب بالإبادة الجماعية” بالإضافة إلى تشريد الملايين. ثم في العام 1971، طالبت الأمة البنغالية في شرق باكستان بالاستقلال عن الدولة، واندلعت الحرب في البلد وانضمت الهند إلى القتال في جانب البنغاليين. وتخللت الحرب أحداث الإبادة الجماعية المنهجية والفظاعات ضد المدنيين البنغاليين قبل أن تنهزم باكستان، ويؤسس البنغاليون دولة بنغلاديش.
لو أن مجلس الأمن الدولي يعترف بالدولة الفلسطينية، فإن أي تواجد إسرائيلي داخل حدود 1967 من دون موافقة الفلسطينيين، بما في ذلك المستوطنات والقواعد العسكرية، سوف يشكل انتهاكاً لقرار الأمم المتحدة. وبعد مثل هذا الاعتراف، سوف تصبح اتفاقيات أوسلو لاغية، وتصبح المناطق (أ) و(ب) و(ج)، والقدس الشرقية، وغزة، والمعابر إلى الأردن ومصر، كلها تحت ولاية الحكومة الفلسطينية. وينبغي أن تكون لدى القيادة الفلسطينية في تلك الحالة استراتيجية لكيفية تحويل وضع الدولة المكتسب حديثاً إلى وضع دولة ذات سيادة. ويجب أن تكون لديها خطط لما ستفعله في حال تجاهلت إسرائيل اعتراف مجلس الأمن، كما سبق لها وأن فعلت بقرارات الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية الأخرى. ويجب أن لا يتوقع القادة الفلسطينيون من جيش حلف الناتو أن يتدخل نيابة عنهم ضد إسرائيل كما فعل مع ألبان كوسوفو ضد صربيا في العام 1999.
محمود عباس، الرئيس الفلسطيني الذي أعلن أن “التنسيق الأمني مع الاحتلال مقدس”، لم يمتلك الجرأة لمتابعة تقرير غولدستون في العام 2009، وهو متردد في مقاضاة إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها في المناطق المحتلة. وحسب الصحفي الإسرائيلي ناحوم برنيع، فقد عكف عباس على التراجع الدائم من أجل التكيف مع كل مطلب إسرائيلي تقريباً خلال المفاوضات التي دامت تسعة أشهر أثناء مهمة وزير الخارجية الأميركي جون كيري. ولن يعمد عباس إلى تحدي إسرائيل، حتى لو كان بإمكانه ذلك! إنه لم يقم أبداً بالترويج للنضال السلمي من خلال العمل الجماهيري الجماعي والعصيان المدني، أو الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الإسرائيلية. وكان عباس مسؤولاً عن اتفاقيات أوسلو ومشكلاتها التي أوصلت الفلسطينيين إلى وضعهم الراهن اليائس، كما أنه تجاوز فترته الزمنية كقائد. ويحتاج الفلسطينيون إلى تفكير جيل جديد ليقودهم في هذه المرحلة الجديدة من نضالهم، قبل فوات الأوان.
لقد تعلم الفلسطينيون أن نظام الدولة-الأمة الدولي هو نظام تحكمه الفوضى؛ أن القرارات السياسية فيه لا تقوم على أسس الأخلاق واللباقة، وإنما تظل القوة وحدها هي التي تصنع الحق فيه؛ وعندما يتم حل النزاعات والصراعات، فإن الطرف الأضعف هو الذي يدفع ثمن ضعفه الخاص.
لكن الفلسطينيين لم يتعلموا كيف يستبدلون القادة الذين فقدوا مصداقيتهم، والذين يستمرون في تزويدهم بالخطابة الفارغة بدل تزويدهم بدولة. ومع أن موقف القادة الفلسطينيين عند شعبهم يهبط باطراد، فإنهم يستمرون في الذهاب إلى اللامكان.

*محلل سياسي يحمل درجة الدكتوراه. آخر كتبه هو “حل الدولتين: هل مات فعلاً؟”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Palestine: Between Unjust International System and Discredited Leadership

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock