ترجمات

فلسطين صدى عال لماضي بريطانيا الاستعماري – وتحذير للمستقبل (2-2)

جوناثان كوك* – (ذا بالستاين كرونيكل) 30/3/2022

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

بعودتي من الناصرة إلى المملكة المتحدة، قفزت من الرمضاء إلى النار.

  • * *
    أيديولوجية فاسدة
    الصهيونية كحركة سياسية مدللة للغاية، مندغمة جداً في المؤسسات السياسية الأوروبية والأميركية لدرجة أن أولئك اليهود الذين يحتشدون وراء هذه القومية العرقية لم يعودوا يعتبرون معتقداتهم غير طبيعية أو بغيضة -كما كان سيحكم على آرائهم معظم اليهود قبل بضعة أجيال فحسب.
    كلا، يعتقد الصهاينة اليهود اليوم بأن وجهات نظرهم بديهية للغاية، ومهمة للغاية للحفاظ على الذات اليهودية لدرجة أن أي شخص يعارضهم يجب أن يكون إما يهوديًا كارهاً لنفسه أو لا ساميا.
    ولأن غير اليهود لا يفهمون كثيراً خطيئتهم الخاصة وتواطؤهم في إثارة هذه الأيديولوجية الشاذة للصهيونية اليهودية، فإننا ننضم إلى طقوس تشويه سمعة أولئك اليهود الشجعان الذين يشيرون إلى المدى الذي قطعناه من خلال النظر في المرآة.
    نتيجة لذلك، فإننا نمنح دعمنا للصهاينة دون تفكير بينما يستخدمون معاداة السامية كسلاح ضد أولئك -من اليهود وغير اليهود على حد سواء- الذين يقفون في تضامن مع الشعب الفلسطيني الأصلي الذي ما يزال مضطهدًا ويعاني منذ فترة طويلة من الكولنيالية الغربية.
    بلا تفكير، انجرف الكثيرون منا مرة أخرى نحو التعاطف مع الظالم -هذه المرة، العنصرية المناهضة للفلسطينيين التي بالكاد يمكن إخفاؤها.
    ومع ذلك، فإن مواقفنا تجاه إسرائيل الحديثة، بالنظر إلى التاريخ البريطاني، يمكن أن تكون معقدة. من ناحية، هناك أسباب وجيهة لإدارة أنظارنا عنها. ذلك أن جرائم إسرائيل اليوم هي صدى وتذكير بجرائمنا نحن بالأمس. وتدعم الحكومات الغربية جرائم إسرائيل من خلال الاتفاقيات التجارية، وتوفير الأسلحة لإسرائيل لارتكاب تلك الجرائم، وتستفيد من الأسلحة الجديدة والأسلحة الإلكترونية التي طورتها إسرائيل من خلال اختبارها على الفلسطينيين. ومثل نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا الذي انتهى وجوده الآن، فإن إسرائيل هي حليف مركزي للاستعمار الجديد الغربي.
    وهكذا نعم. إن إسرائيل مرتبطة بنا بحبل سري. نحن أمها. لكنها في الوقت نفسه ليست مثلنا تمامًا أيضًا -إنها سلالة غير شرعية. وهذا الاختلاف؛ هذه المسافة يمكن أن تساعدنا على اكتساب القليل من المنظور تجاه أنفسنا. يمكنها أن تجعل من إسرائيل أداة تعليمية. وسيلة لفتح العيون. مكاناً يمكن أن يجلب الوضوح. وهو لا يوضح ما تفعله إسرائيل فقط، ولكن أيضاً ما فعلته دول مثل بريطانيا وما تزال تفعله حتى يومنا هذا.
    الاتجار بالأجساد
    يكمن الاختلاف بين بريطانيا وإسرائيل في التمييز بين الدولة الاستعمارية والدولة الاستعمارية الاستيطانية.
    تشكل بريطانيا مثالاً كلاسيكياً على الأولى. فقد أرسلت أبناء مدارسها الخاصة التي ترتادها النخبة؛ رجالاً مثل كولستون، إلى أجزاء من العالم غنية بالموارد من أجل سرقة تلك الموارد وجلب الثروة إلى الوطن الأم لزيادة إثراء المؤسسة. كان هذا هو الغرض من مزارع الشاي والسكر في المستعمرات.
    لكنها لم تكن مجرد اتجار بالأشياء غير الحية. لقد تاجرت بريطانيا أيضاً بالأجساد الحية -ومعظمها من السود. كان العمل والعضلات مورداً حيوياً للإمبراطورية البريطانية مثلهما مثل الحرير والزعفران.
    وقد استمر الاتجار في البضائع والأشخاص لأكثر من أربعة قرون حتى بدأت حركات التحرر بين السكان الأصليين في التخلص -جزئيًا على الأقل- من نير الاستعمار البريطاني والأوروبي. وكانت القصة منذ الحرب العالمية الثانية واحدة تحكي عن جهود أوروبا والولايات المتحدة لإعادة اختراع الاستعمار، من خلال اغتصابهما ونهبهما الشعوب عن بعد، من خلال أيدي آخرين.
    هذه هي العلامة المبتذلة والحديثة للاستعمار: استعمار جديد “إنساني” يجب أن نكون قد أصبحنا على دراية بطبيعته الحقيقية الآن. وقد لعبت الشركات العالمية والوكالات النقدية، مثل صندوق النقد الدولي والتحالف العسكري لحلف الناتو، دورًا رئيسيًا في إعادة ظهور الاستعمار -وكذلك فعلت إسرائيل.
    استراتيجيات الإقصاء
    ورثت إسرائيل تقليد بريطانيا الاستعماري، واعتمدت بشكل دائم العديد من أوامر الطوارئ البريطانية لاستخدامها ضد الفلسطينيين. ومثل الاستعمار التقليدي، فإن الاستعمار الاستيطاني مصمِّم على مصادرة موارد السكان الأصليين. لكنه يفعل ذلك بطريقة أكثر وضوحا ولا هوادة فيها. إنه لا يستغل المواطنين الأصليين فقط، وإنما يسعى إلى الحلول محلهم أو القضاء عليهم. بهذه الطريقة لن يكونوا في وضع يسمح لهم بتحرير أنفسهم ووطنهم.
    وليس ثمة ما هو جديد في هذا النهج. فقد سبق وأن تبناه المستعمرون الأوروبيون في معظم أنحاء العالم: في أميركا الشمالية، وأفريقيا، وأستراليا ونيوزيلندا، وكذلك في الشرق الأوسط في وقت متأخر.
    ثمة مزايا وعيوب للاستراتيجية الاستعمارية الاستيطانية، كما تُظهر إسرائيل بوضوح شديد. في كفاحهم للحلول محل السكان الأصليين، كان على المستوطنين الإسرائيليين صياغة رواية -عقلنة- تفيد بأنهم هم الضحايا وليس الذين يصنعون ضحايا. كانوا يفرون، بطبيعة الحال، من الاضطهاد في أوروبا، وإنما فقط ليصبحوا هم أنفسهم مضطهدين خارج أوروبا. ومن المفترض أنهم كانوا يخوضون معركة من أجل البقاء ضد الفلسطينيين الذين جاؤوا هم ليحلوا محلهم. وتم تصوير السكان الأصليين على أنهم معادون وعدوانيون بطريقة يتعذر إصلاحها وغير عقلانيين. وتم استدعاء الله في المسألة، بقدر أو آخر من الصراحة.
    في القصة الصهيونية، يتحول التطهير العرقي للفلسطينيين الأصليين -النكبة- إلى حرب استقلال يتم الاحتفال بها حتى يومنا هذا. هكذا حوَّل المستعمرون الصهاينة أنفسهم إلى حركة تحرير وطنية أخرى، مثل تلك التي التي كانت تقاتل في إفريقيا بعد الحرب العالمية الثانية من أجل الاستقلال. وزعمت إسرائيل أنها تحارب الحكم البريطاني القمعي، مثل الأفارقة، بدلاً من كونها ترث عباءة المستعمرين.
    لكن هناك عيباً أيضًا في المشاريع الاستعمارية الاستيطانية، خاصة في عصر تطور الاتصالات. في وقت الإعلام الأكثر ديمقراطية، مثل الذي نتمتع به حاليًا -حتى ولو لفترة وجيزة- أصبح من الأصعب بكثير إخفاء استراتيجيات الإبادة التي يستخدمها المستعمرون أو طمسها. أصبح القبح معروضاً. وأصبح واقع الاضطهاد أكثر وضوحاً، وأكثر عدوانية وقبحاً بشكل أكثر صراحة.
    تسمية الفصل العنصري باسمه
    إن استراتيجيات المستوطنين لتصفية السكان الأصليين محدودة العدد، ويصعب إخفاؤها أياً يكن ما يتم اعتماده منها. في الولايات المتحدة، اتخذ الإقصاء شكل الإبادة الجماعية -أبسط حلول الاستعمار الاستيطاني وأكثرها ضماناً.
    ولكن، في حقبة حقوق الإنسان التي أعقبت الحرب، حُرمت إسرائيل من سلوك هذا الطريق. وقد تبنت موقفاً مخففاً من الاستعمار الاستيطاني: الطرد الجماعي، أو التطهير العرقي. وبذلك تم طرد حوالي 750 ألف فلسطيني من منازلهم وإلى خارج الحدود الجديدة لإسرائيل في العام 1948.
    لكن الإبادة الجماعية والتطهير العرقي هي دائمًا مشاريع لا يمكن إكمالها. فقد مات حوالي 90 في المائة من الأميركيين الأصليين بسبب العنف والأمراض التي جلبها الوافدون الأوروبيون، لكن نسبة صغيرة منهم نجوا. وفي جنوب إفريقيا، كان المهاجرون البيض يفتقرون إلى الأعداد والقدرة -إما على القضاء على السكان الأصليين أو لاستغلال أراضٍ شاسعة بهذا القدر.
    ومن جهتها، تمكنت إسرائيل من طرد 80 في المائة فقط من الفلسطينيين الذين يعيشون داخل حدودها الجديدة قبل أن يتدخل المجتمع الدولي. ثم خرَّبت إسرائيل نجاحها الأولي الذي حققته في العام 1948 من خلال استيلائها على المزيد من الأراضي الفلسطينية -والمزيد من الفلسطينيين- في العام 1967.
    عندما لا يستطيع المستوطنون القضاء على السكان الأصليين بالكامل، يترتب عليهم فرض سياسات فصل قاسية وواضحة ضد أولئك الذين تبقوا.
    وفق هذه السياسات، يتم التمييز بين الموارد والحقوق على أساس العرق أو الإثنية. وتؤسس مثل هذه الأنظمة الفصل العنصري -أو كما تسمي إسرائيل نسختها “هفردة”- للحفاظ على الامتيازات التي يتمتع بها سكانها المتفوقون، أو المختارون.
    عقلية استعمارية
    بعد مضي العديد من العقود، سمَّت جماعات حقوق الإنسان أخيرًا الفصل العنصري في إسرائيل باسمه. وقد وصلت “منظمة العفو الدولية” إلى هذا الوصف في هذا الشهر -آذار (مارس)- فقط -بعد مرور 74 عامًا على النكبة و55 على بدء احتلال الضفة وغزة.
    وقد استغرق الأمر كل هذا الوقت الطويل لأنه حتى فهمنا لحقوق الإنسان ما يزال يتشكل من خلال العقلية الاستعمارية الأوروبية. وقد وثقت مجموعات حقوق الإنسان سوء معاملة إسرائيل للفلسطينيين -“نوع” القمع الذي يتعرضون إليه- لكنها رفضت فهم “سبب” هذا الاضطهاد. لم تستمع منظمات المراقبة هذه للفلسطين حقاً. كانت تستمع لإسرائيل فقط حتى بينما تنتقدها. وقد انغمست في مبرراتها الأمنية التي لا نهاية لها لجرائمها ضد الفلسطينيين.
    وينبع الإحجام عن تسمية الفصل العنصري الإسرائيلي باسمه، في جزء كبير منه، من الإحجام عن مواجهة دورنا في خلقه. ويعني تعريف نظام الفصل العنصري في إسرائيل بما هو الاعتراف بدورنا في إدامته، ومكانة إسرائيل الحاسمة في الاستعمار الجديد الذي أعاد الغرب اختراعه.
    أن تكون “عدوانياً”
    بطبيعة الحال، تظل صعوبة مواجهة ماهية إسرائيل وما تمثله بالغة بشكل خاص بالنسبة للكثير من اليهود -ليس في إسرائيل فحسب ولكن في دول مثل بريطانيا. من خلال عدم وجود خيار خاص بهم، يتورط اليهود أعمق في التواطؤ مع جرائم إسرائيل لأن هذه الجرائم تُرتكب باسم جميع اليهود. ونتيجة لذلك، تكون حماية المشروع الاستعماري الاستيطاني بالنسبة لليهود الصهاينة، مرادفة لحماية إحساسهم الخاص بالفضيلة.
    في التصورات النهائية للحركة الصهيونية، تُعد المخاطر أعلى كثيراً من أن تسمح بالشك أو المواربة. وبصفتهم صهاينة، فإن واجبهم هو الدعم، والتغطية، والترويج الدعائي نيابة عن إسرائيل بأي ثمن.
    في الوقت الحاضر، أصبحت الصهيونية جزءًا طبيعيًا من ثقافتنا الغربية لدرجة أن أولئك الذين يسمون أنفسهم صهاينة يشعرون بالفزع من فكرة أن يجرؤ أي شخص على الإشارة إلى أن أيديولوجيتهم متجذرة في القومية العرقية القبيحة والفصل العنصري. وأولئك الذين يجعلونهم يشعرون بعدم الارتياح من خلال تسليط الضوء على حقيقة قمع إسرائيل للفلسطينيين -وعماهم عن هذا القمع- يُتهمون بأنهم “عدوانيون”.
    ويتم الآن خلط هذه العدوانية المفترضة بمعاداة السامية، كما تشهد على ذلك معاملة كين لوتش، صانع الأفلام المحترم في هذه الأبرشية. ويتم الخلط بين الاشمئزاز من عنصرية إسرائيل تجاه الفلسطينيين والعنصرية تجاه اليهود. الحقيقة معكوسة.
    وأصبح هذا الارتباك أيضًا أساسًا لتعريف جديد لمعاداة السامية -تعريف قدمته إسرائيل والمدافعون عنها بقوة- مصمم لتضليل المتفرجين العاديين. كلما حاولنا، بصفتنا مناهضين للعنصرية ومعارضين للاستعمار، تركيز الانتباه والازدراء على جرائم إسرائيل، زاد اتهامنا بمهاجمة اليهود ضمنياً.
    إلى النار
    يشبه وصولي إلى المملكة المتحدة من الناصرة في هذه اللحظة بالذات الخروج من الرمضاء إلى النار.
    هنا معركة الصهيونية -تعريفها، وفهمها، ومواجهتها، ورفض إسكاتها لنا- في حالة تدفق كامل. وقد تم إخضاع ونزع أحشاء حزب العمل بقيادة جيريمي كوربين، سياسيًا من خلال اتهامه بمعاداة السامية معادة التعريف. والآن يقوم خليفته، السير كير ستارمر، بتطهير صفوف الحزب، على أساس الأسباب الزائفة نفسها.
    ثمة أساتذة جامعات يتعرضون للتهديد ويفقدون وظائفهم، كما حدث مع ديفيد ميلر في جامعة بريستول، بهدف تكثيف الضغط على الأكاديمية للبقاء صامتة بشأن إسرائيل وجماعات الضغط التابعة لها. ويتم إلغاء المعارض، وإسكات مكبرات الصوت.
    وطوال هذا الوقت، ظل الهوس الغربي الحالي بإعادة تعريف معاداة السامية -أحدث قصة غلاف لإسرائيل الفصل العنصري- ينقلنا أبعد بلا توقف بعيداً عن حساسية العنصرية الحقيقية، سواء كانت تحيزاً حقيقيًا ضد اليهود أو تفشي الإسلاموفوبيا والعنصرية ضد الفلسطينيين.
    يتردد صدى الكفاح من أجل العدالة للفلسطينيين لدى الكثير منا على وجه التحديد لأنه ليس مجرد نضال لمساعدة الفلسطينيين. إنه معركة من أجل إنهاء الاستعمار بجميع أشكاله، وإنهاء وحشيتنا تجاه أولئك الذين نعيش معهم جنبًا إلى جنب، لنتذكر أننا جميعًا بشر متساوون ولنا جميعًا الحق في الاحترام والكرامة.
    إن حكاية فلسطين هي صدى مدوٍ لماضينا. ربما الأعلى على الإطلاق. وإذا لم نتمكن من سماعها، فإننا لن نستطيع عندئذٍ أن نتعلم -ولا يمكننا اتخاذ الخطوات الأولى على الطريق نحو التغيير الحقيقي.

*جوناثان كوك Jonathan Cook: صحفي بريطاني حر عاش عشرين عاماً في الناصرة في فلسطين المحتلة. حائز على جائزة مارثا غيلهورن الخاصة للصحافة. تشمل مؤلفاته “إسرائيل وصدام الحضارات: العراق وإيران وخطة إعادة صنع الشرق الأوسط” (مطبعة بلوتو)؛ و”فلسطين المتلاشية: تجارب إسرائيل في البؤس البشري” (كتب زِد).
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Palestine Is a Loud Echo of Britain’s Colonial Past – and a Warning of the Future

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock