أفكار ومواقف

فلسفة حرية التعبير من منظور تطبيقي قضائي

الذرائع الواقعية والقانونية التي يتم الانطلاق منها بهدف تقييد الحق في حرية التعبير، والخلط بين التنظيم والتقييد، وانقلاب العلاقة الحقوقية بين الحرية والقيد وبين الأصل والاستثناء؛ لتمسي القيود على ممارسة الأفراد لحقهم في التعبير عن آرائهم هي القاعدة العامة في العديد والعديد من الأحيان، وهذه الاشكاليات جميعا التي تنبئ عن غياب جليّ لفلسفة حرية التعبير ومضمونها المعياري سواء في التشريعات أو السياسات أو الممارسات التي تأتي نتيجة طبيعية لواقع التشريع والسياسة العامة، هذه الإشكاليات أخذ القضاء في العديد من الدول على عاتقه وضع حدّ لما تخلفه من آثار سلبية على حق الأفراد في التعبير، فكان القضاء صاحب الفضل في بيان تجليات هذا الحق وفلسفته العميقة التي من شأن حضورها أن يشكل أحد عوامل النهوض بالمجتمعات نحو الديمقراطية والتعددية وتمكين الأفراد من ممارسة دور الرقيب على أعمال السلطات كافة.
هذه الفلسفة التطبيقية للحق في حرية التعبير من واقع القضاء وتحليله لمضامين هذه الحرية نجدها في عدة نماذج، أعرض مجموعة منها وقفت على حدود حرية التعبير وأعلت من شأنها ورسمت خريطة طريق لمعالمها:
أولًا: في إحدى قراراتها تشير المحكمة الدستورية العليا في مصر إلى فلسفة المشرع الدستوري وما يروم له من خلال إقراره لحرية التعبير، حيث جاء في قرارها: « …ما توخاه الدستور من خلال ضمان حرية التعبير، هو أن يكون التماس الآراء والأفكار وتلقيها عن الغير ونقلها إليه غير مقيد بالحدود الإقليمية على اختلافها ولا منحصر في مصادر بذواتها تعدّ من قنواتها، بل قصد أن تترامى آفاقها، وأن تتعدد مواردها وأدواتها، وأن تتفتح مسالكها، وتفيض منابعها، لا يحول دون ذلك قيد يكون عاصفا بها، مقتحمًا دروبها، ذلك أن لحرية التعبير أهدافًا لا تريم ولا يتصور أن تسعى لسواها، هي أن يظهر ضوء الحقيقة جليًا، فلا يداخل الباطل بعض عناصرها ولا يعتريها بهتان ينال محتواها…».
كما تضيف المحكمة ذاتها: «….فإن من الصحيح كذلك أن الطبيعة الزاجرة للعقوبة التي توقعها الدولة على من يخلون بنظامها لا تقدم ضمانا كافيا لصونه، وإن من الخطر فرض قيود ترهق حرية التعبير بما يصد المواطنين عن ممارستها، وأن الطريق الى السلامة القومية، إنما يكمن في ضمان الفرص المتكافئة للحوار المفتوح، لمواجهة أشكال المعاناة وتقرير ما يناسبها من الحلول النابعة من الإرادة العامة…»
وفي حكم آخر وتحديدا في قضية كتاب المؤلف خالد محمد خالد المعنون « من هنا نبدأ» أشارت المحكمة في معرض قرارها الى أن المؤلف «.. لم يخرج فيما كتب عن حدّ البحث العلمي والفلسفي، وإذا صح أنه أخطأ في شيء مما كتب ، فإن الخطأ المصحوب باعتقاد الصواب شيء، وتعمد الخطأ المصحوب بنية التعدي شيء آخر…».
ثانيًا: أشارت المحكمة العليا في الهند في إحدى قراراتها إلى أنّه :» يتطلب التزامنا بحرية التعبير ألا يتم قمع تلك الحرية إلا إذا تسببت الظروف الناتجة عن السماح بحرية التعبير بالضغط على المجتمع وتعريض مصلحته للخطر، ولا يجب أن يكون ذلك الخطر بعيد الاحتمال أو حدسيا بل ينبغي أن يكون قريبا وله صلة مباشرة بحرية التعبير…».
ثالثًا: أما قضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وفي العديد من القضايا التي تمّ فرض غرامات خلالها على الصحفيين كعقوبة بسبب ما أجروه من أعمال تتعلق بمهنتهم، وحتى وإن كانت هذه الغرامات قليلة نسبيًا، إلا انّها وقفت ضد هذه الغرامات على اعتبار أنّها تفرض رقابة ضمنية ذاتية على الصحفيين؛ حيث جاء في إحدى قراراتها: «… وعلى الرغم من أنّ العقوبة الصادرة بحق الصحفي لم تمنعه صراحةً من التعبير عن نفسه، إلا أنّها ارتقت إلى نوع من التوبيخ الذي من المرجح أن يثنيه عن القيام بنقد من ذلك النوع مرةً أخرى في المستقبل… ففي الجدل السياسيّ من شأن مثل هذه العقوبة أن تردع الصحفيين عن المشاركة في النقاش العام في القضايا التي تمس حياة المجتمع، وبالمنطق نفسه فإنّ من شأن عقوبة كهذه أن تعوق تأدية الصحافة لمهامها كمتعهد بالإمداد بالمعلومات وبالرقابة الشعبية..».
هذه التطبيقات القضائية لحرية التعبير عموما ولحرية الصحافة والإعلام في القضاء في دول عدة، تعيد مرة أخرى قضية في غاية الأهمية ألا وهي ضرورة إعادة موضعة الحق في حرية التعبير والتعمق في مضامين هذه الحرية في اطار تشاركي جمعي يهدف إلى وضع الثوابت التي لا يمكن أن تشكل مصدرا أو مكانا للجدل والنقاش فيما يتعلق بهذه الحرية، هذه الثوابت المقرة أساسا في الدستور وفي المواثيق الدولية لحقوق الانسان وفي التطبيقات القضائية، وما نحتاج إليه هو نفض الغبار عنها واعتبارها المرشد في طريق الإصلاح والنهوض بكافة مستوياته.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock