ترجمات

فهم الاحتجاجات الجزائرية

تيودور كاراسيك؛ وجورجيو كافييرو* – (لوبيلوغ) 8/3/2019
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لطالما كانت الاحتجاجات العامة في الجزائر نادرة. ومع ذلك، كشفت التظاهرات التي شهدها البلد منذ 22 شباط (فبراير) في الجزائر العاصمة وعنابة والبليدة وقسنطينة ووهران عن وجود مصادر عدم استقرار فريدة في الجزائر. كان المتظاهرون، الذين ينتمون إلى خلفيات متنوعة، متحدين في موقفهم بأن رئيس الدولة الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، الذي تم انتخابه رئيساً في العام 1999، يجب أن يتنحى. لكن نضالهم لا يتجه ضد بوتفليقة كزعيم فرد بحد ذاته. إنهم يحاولون الوقوف في وجه “دولة عميقة” تتألف من أعضاء من الجيش الجزائري، والمؤسسة الأمنية، ونخبة رجال الأعمال، المعروفة باسم “pouvoi”، أو “السلطة”، والذين يريدون بقاء بوتفليقة على قمة السلطة لحماية امتيازاتهم بينما يتج البلد إلى انتخاب رئيس جديد، أياً يكن ذلك الرئيس.
على الرغم من أن انتفاضات الربيع العربي أطاحت بثلاثة من رجال شمال أفريقيا الأقوياء -الزعيم الليبي معمر القذافي، والتونسي زين العابدين بن علي، والمصري حسني مبارك- نجحت القيادة الجزائرية في تجاوز تلك العاصفة الإقليمية. ومنذ العام 2011، عزا العديد من المحللين تجربة الجزائر الهادئة نسبياً إلى مجموعة من العوامل المعقدة الفريدة الخاصة بهذا البلد المغاربي. ومع ذلك، فإن معظم التقييمات لنجاح الحكومة الجزائرية في حماية البلاد من رياح التغيير يعزو الفضل إلى مواقف الجمهور من السياسة.
كان لتجربة “العقد الأسود” الذي شهده الجزائر في التسعينيات، عندما أفضى تمرد إسلامي مسلح وحملة حكومية مضادة أدت إلى مصرع أكثر من 200 ألف شخص وجلب فترة من العزلة، تأثير كبير على تشكيل هذه المواقف. وبحلول العام 2011، كان معظم الجزائريين متسامحين تماماً مع وجود هيكل سياسي سلطوي يقمع المعارضة، طالما ظل بلدهم مستقراً نسبياً. وفي الفترة من العام 2011 إلى العام 2013، استنتج العديد من الجزائريين أن أعمال العنف التي تعاني منها مصر، وليبيا، ومالي، وسورية، واليمن، ودول عربية/ إسلامية أخرى، والتي نجمت عن تحدي الوضع الراهن، لم تعرض سوى خطر العودة إلى معايشة الاضطرابات واسعة النطاق والإرهاب الإسلاموي العنيف.
ولننتقل سريعاً إلى شباط (فبراير) وآذار (مارس) 2019. الآن، تغيرت البيئة في الجزائر. ويبدو أن الجزائريين الشباب الذين يقودون احتجاجات اليوم أقل رغبة في اعتناق صفقة “القبول- السياسي- في- مقابل- السلام” على هذا النحو. وبما أن ما يقرب من 70 في المائة من الجزائريين هم دون سن الثلاثين، فإن نسبة كبيرة من السكان لم تشهد النضال من أجل الاستقلال في الخمسينيات والستينيات أو عنف التسعينيات. ويحتج هؤلاء الجزائريون الشباب من أجل أن يتولى جيل جديد من الجزائريين زمام الأمور. وعلى النقيض من والديهم وأجدادهم، يشعر المواطنون الأصغر سناً بأنهم ليسوا مدينين بالكثير للحرس القديم لجبهة التحرير الوطنية الحاكمة. وهم أكثر سخطاً وضيقاً بالفساد المستشري، والخدمات العامة الرديئة، والبطالة المرتفعة بين الشباب.
على الرغم من أن الإحباط الذي يشعر به المتظاهرون الجزائريون كان يتراكم بشكل مطرد منذ إصابة بوتفليقة بجلطة دماغية في العام 2013 واختفائه من المشهد العام، فإن تقديم الرئيس الجزائري الرسمي طلب ترشحه لفترة ولاية خامسة أثار التظاهرات الجارية. وكان الرئيس يخضع منذ 24 شباط (فبراير) “لفحوص طبية روتينية” في سويسرا، وهو ما أسهم في تزايد الإدراك بأنه غير لائق على الإطلاق لقيادة البلاد. ورداً على الاحتجاجات التي ثارت في جميع أنحاء المدن والبلدات الجزائرية، تعهد بوتفليقة بعدم قضاء فترة رئاسية كاملة إذا فاز في الانتخابات المقرر إجراؤها الشهر المقبل. وبعد أن اعترف بالاحتجاجات، قال: “لقد استمعت وسمعت الصرخة من قلوب المحتجين، ولا سيما الآلاف من الشباب الذين استجوبوني حول مستقبل وطننا”. لكن مثل هذه الكلمات لم تفعل شيئاً لإنهاء دعوات المتظاهرين له للتخلي عن السلطة على الفور.
مع ذلك، ثمة فارق بين ثورات الربيع العربي وبين احتمال قيام “ربيع عربي 2.0” في الجزائر. صحيح أن تواجد عشرات الآلاف من المواطنين الذين يحتجون في الأماكن العامة يصنع وضعاً بالغ الحساسية بالنسبة للجزائر، وتسلط المظاهرات التي جرت في الأسابيع الماضية الضوء على جسامة التحدي الذي تواجهه الحكومة هناك. لكن هذه الاحتجاجات ليست بالضرورة إشارة على أن الحكومة على وشك السقوط من سدة السلطة كما حدث في دول الربيع العربي الأخرى. فما تزال الطغمة الحاكمة حول بوتفليقة تحتفظ بولاء الجيش الجزائري. كما يمكنها أن تعتمد أيضاً على الحلفاء في الخارج، خاصة في الغرب، بالإضافة إلى روسيا أيضاً.
من الواضح أن القيادة في الجزائر لم تتوقع اندلاع هذه الاحتجاجات. والآن، ينتقل المسؤولون في الجزائر العاصمة إلى “الخطة باء” الخاصة بمرحلة ما بعد بوتفليقة، ومحاولة العثور على استراتيجية قابلة للتطبيق للحفاظ على الاستقرار في البلاد قبل أن تتصاعد المظاهرات العامة. وما يزال السيناريو الأسوأ الذي يشهد عودة الجزائر إلى حالة الحرب الأهلية يثقل كاهل الكثير من المواطنين، وخصوصا الجزائريين كبار السن بما يكفي ليتذكروا أحداث العنف التي أعقبت استيلاء الجيش على السلطة في العام 1991. لكن رئيس الدولة المريض لم يعد يتمتع بالشرعية بين عامة الناس لمجرد التذرع باستعادة السلام والاستقرار النسبيين إلى الدولة الأفريقية الشمالية قبل بضع سنوات عندما تولي زمام السلطة في العام 1999. ومن الواضح أن الفسحة التي منحها له المواطنون الجزائريون قد تضاءلت.
ربما تقدم الحكومة مرشحاً رئاسياً آخر، بينما تتعهد أيضاً بإجراء إصلاحات محددة تتعامل مع مصادر الغضب بين مواطني الجزائر الشباب. وقد دفعت فكرة وجود “دولة عميقة” تحكم الجزائر؛ حيث يعمل بوتفليقة كدمية، الكثير من الناس إلى الشوارع منذ الشهر الماضي. ولن يتراجع هذا الغضب إذا تسابق في الانتخابات مرشح آخر بدلاً من الرئيس بدعم من الزمرة الحاكمة.
كما قد تقرر الحكومة أيضا اتخاذ إجراءات صارمة ضد المتظاهرين المسالمين في محاولة لترويع الناس وإجبارهم على العودة إلى منازلهم والتوقف عن الدعوة إلى استقالة بوتفليقة. وفي هذا السيناريو، سوف يكون أحد العوامل الحاسمة رد فعل شخصيات المعارضة الجزائرية والإسلاميين في البلاد، حول ما إذا كانوا سيقفون مع المواطنين الشباب في الشارع أم لا.
في الوقت الراهن، يقوم الجنرال أحمد قايد صلاح، أحد الموالين لبوتفليقة، والذي يقود الجيش الجزائري، بتوجيه تحذير للبلاد من “أطراف ترغب في إعادة الجزائر إلى سنوات العنف”. لكن هذا التهديد الضمني قد لا يفعل الكثير لإسكات الجزائريين (وخاصة الشباب)، الذين يتصارعون مع اقتصاد قد يكون على وشك الانهيار. والآن، تواجه رئاسة بوتفليقة أكبر تحد لشرعيتها منذ بدئها في العام 1999، وقد تكون “الدولة العميقة” الجزائرية بصدد أن تشهد أولى تشققاتها الخطيرة.

*ثيودور كاراسيك: هو مستشار في Gulf State Analytics، وهي مؤسسة استشارية في مجال المخاطر الجيوسياسية، مقرها واشنطن العاصمة. جورجيو كافييرو: هو الرئيس التنفيذي ومؤسس Gulf State Analytics، وبالإضافة إلى لوبيلوغ، يكتب أيضاً لكل من “ذا ناشيونال إنترست”، ومعهد الشرق الأوسط، و”المونيتور”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Understanding the Algerian Protests
*تحديث: أعلن الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة انسحابه من الانتخابات الرئاسية التي كان مزمعا إجراؤها في 18 نيسان (أبريل) المقبل، كما أعلن عن تأجيل الانتخابات في الجزائر إلى ما بعد ندوة الحوار الوطني. وقال بوتفليقة إن الندوة الوطنية الجامعة ستقودها شخصية وطنية قبل نهاية العام 2019. وأضاف الرئيس الجزائري أنه لم ينو قط الترشح للانتخابات الرئاسية مجدداً.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock