;
ترجمات

فهم انقلاب السودان: مَن ولماذا

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كريبسو ديالو – (نحو الحرية) 10/1/2022

تعرَّض السودان للنهب المنهجي من قبل الغرب من خلال وسطاء سودانيين، وتم تجويع أهله وإفقارهم، وتزايدت فيه البطالة والتهميش. وتمت إعاقة عملية الإنتاج بأشكالها كافة، بحيث تم تحويل أراضي السودان الخصبة إلى ساحات للقتال. وتحول عماله وفلاحوه إلى وقود لهذه الصراعات، ومرتزقة في الحروب الخارجية. كما تعرض السودان للابتزاز بوضعه على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وتحويله إلى دولة تعيش على المساعدات والقروض الغربية في ظل ظروف سياسية معروفة.
* * *
آذن الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 تشرين الأول (أكتوبر) في السودان بانهيار التسوية غير المستقرة والفاسدة بين الجيش والليبراليين التي تم التوصل إليها في صيف العام 2019. وكان قد تم إبرام تلك الصفقة لوقف العملية الثورية الجماهيرية التي اندلعت وأطاحت بالرئيس عمر البشير، الذي كان في السلطة لمدة 30 عامًا. وعلى الرغم من إعلان المجلس العسكري حالة الطوارئ، تدفقت الجماهير في شوارع العاصمة، الخرطوم؛ حتى أن المجلس العسكري أعاد عبد الله حمدوك إلى منصب رئاسة الوزراء. ولم يقابل الناس في الشوارع، الذين قاتلوا وسُفكت دماؤهم على مدى شهر للفوز بالحكم المدني، هذا الخبر بالابتهاج، وإنما بمشاعر الغضب.
ما الذي يحدث في السودان؟ يشكل هذا السؤال نقطة الخلاف الأولى في المجتمع الدولي. وينعكس هذا الخلاف السياسي بطبيعة الحال في وسائل الإعلام. في الوقت الذي يتم فيه الترويج لفكرة أن الخلافات في المجتمع الدولي حول ما يحدث ليست أكثر من انعكاس للصراع الدولي، يجب أن نتذكر أن أبناء الشعب السوداني هم المعنيون أكثر ما يكون بهذا الانقسام.
كثيراً ما يقال إن الأحداث التي جرت في السودان حتى هذه اللحظة كانت تعبيراً مكثفاً عن صراع دولي. وانطلاقاً من هذه الفكرة الصحيحة، تم تبني فكرة خاطئة أخرى، وهي أن الشعب السوداني سيكون حتماً ضحية لهذه المبارزات الدولية. وللرد على هذه الفكرة، يجب أولاً وصف الأطراف المتصارعة في السودان.
القوى الداخلية التي تتقاسم السلطة
ما ملامح الترتيب “القديم” التي يجب تغييرها؟
يحدث التناقض الأساسي في السودان بين النهّابين، بغض النظر عن لباسهم وأسمائهم السياسية، وبغض النظر عما إذا كانوا “مدنيين” أو “عسكريين”. ومع ذلك، لم تكن أقطاب الصراع الحالي تعبيراً عن هذا التناقض الأساسي إلا في جزء منها فحسب. وعندما نزل السودانيون إلى الشوارع نهاية العام 2018، فإنهم كانوا يعبِّرون عن الحاجة إلى التغيير العميق المطلوب، وتمكنوا -بتعاون من اللجنة الأمنية للبشير، المكوّنة من القوات العسكرية الرئيسية في البلاد- من الإطاحة به من السلطة.
مجلس السيادة السوداني هو هيئة من 11 عضوًا تم تأسيسها بعد الإطاحة بالبشير من خلال مسودة الإعلان الدستوري في آب (أغسطس) من العام 2019 في مدينة جوبا بجنوب السودان. وشكل أعضاء من مجموعة مدنية تسمى “قوى الحرية والتغيير”، وقادة من “المجلس العسكري الانتقالي” هذا المجلس، وهو هيئة جماعية كان من المفترض أن تعمل كرئيس للدولة حتى تشرين الثاني (نوفمبر). ولكن، تم بدلاً من ذلك حل المجلس مع انقلاب 25 تشرين الأول (أكتوبر). وأعلن رئيس المجلس، عبد الفتاح البرهان، عن حلِّه، مضيفا أنه سيتم استبداله بحكومة سيتم ترشيحها.
حتى تشكيل مجلس السيادة السوداني وحكومته المنحلة مؤخرًا، بدأ السودان يشهد تغييرات سياسية في هياكل الحكم، وإنما من دون حدوث التغيير العميق المطلوب. وقد اتسم هيكل النظام السوداني بسمات عامة أساسية. ولا يمكن الحديث عن تحول حقيقي إذا لم يتصور الشعب السوداني تغييراً في هذه السمات، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
وإذن، ما هذه السمات الأساسية؟ يأتي الإطار الوطني السوداني على رأس هذه القائمة، حيث فقد السودان الجزء الجنوبي منه، وهو يعيش في حالة مستمرة من النزاعات الأهلية المسلحة في مناطق متفرقة من البلاد. وتشكل هذه العناصر تهديدًا مزدوجًا لوحدة السودان، بمعنى أن التحدي الأساسي هو أن السودانيين يعيشون في كيان يتعرض وجوده نفسه للتهديد.
وإضافة إلى هذه الأخطار الوجودية، تعرَّض السودان للنهب المنهجي من قبل الغرب من خلال وسطاء سودانيين، وتم تجويع أهله وإفقارهم، وتزايدت فيه البطالة والتهميش. وتمت إعاقة عملية الإنتاج بأشكالها كافة بحيث تم تحويل أراضي السودان الخصبة إلى ساحات للقتال. وتحول عماله وفلاحوه إلى وقود لهذه الصراعات، ومرتزقة في الحروب الخارجية.
وليست للسودانيين أي علاقة بذلك. وقد تعرض السودان للابتزاز بوضعه على قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وتحويله إلى دولة تعيش على المساعدات والقروض الغربية في ظل ظروف سياسية معروفة. وجاء كل ذلك ليضاف إلى تعطيل الحياة السياسية، وغياب قوى وطنية فاعلة نتيجة القمع، ثم زجّ البلاد في صراع مع القوات المسلحة التي طغى صوتها لفترات طويلة على أصوات القوى الوطنية.
مجلس الأمن يتحدث عن الانقلاب
كيف يمكن قراءة مواقف القوى الدولية تجاه الصراع؟
نشب الخلاف بين المكونين؛ المدني والعسكري، لمجلس السيادة السوداني بعد صراع استمر بلا هوادة حتى بعد تشكيله. وفي الواقع، لم تظهر أي فروقات واضحة في مواقف “المدنيين” أو “العسكريين”. وأسهم الطرفان في ترسيخ السياسات الليبرالية التي وصلت بأوضاع السودانيين إلى هذه النقطة. ومن الواضح أن كلا الطرفين أسهم في اتفاقية التطبيع سيئة السمعة مع الكيان الصهيوني المعروف بإسرائيل، ولم يعرضا أي توجه جاد لتحقيق مصالحة وطنية لمنع تفتيت الدولة. وعلى الرغم من مواقفهما المتشابهة ظاهريًا، شكل تحرك الجيش في 25 تشرين الأول (أكتوبر) نقطة خلافية على الساحة الدولية، ما دل على وجود قوى إقليمية ودولية تفرق بين مكوني مجلس السيادة. وأدى ذلك إلى فشل مجلس الأمن مرات عدة في التوصل إلى إجماع على بيان يتم إصداره بشأن الأحداث في الخرطوم. وعندما صدر بيان أخيراً في 28 تشرين الأول (أكتوبر)، وصف مجلس الأمن الدولي ما حدث في البلد بأنه “سيطرة على السلطة” وليس انقلاباً. وشدد البيان أيضاً على “ضرورة الالتزام بالوثيقة الدستورية واتفاقية السلام في جوبا” ودعا السلطات إلى تطبيقها. وطُلب من الجيش “إعادة الحكومة الانتقالية التي يقودها المدنيون على أساس الوثيقة الدستورية وغيرها من الوثائق التأسيسية للمرحلة الانتقالية”.
ولم تتمكن صعوبة تبني هذا البيان بأي حال من إنهاء الانقسام في الآراء حول ما حدث في السودان. بل إنها تعكس ميزان القوى الدولي الذي أعاق التوصيف الصحيح للانقلاب وخفف من حدة الخطاب تجاه الجيش.
العودة إلى حضن البيت الأبيض
ولكن يبقى السؤال الأهم: ما الذي دفع الدول المختلفة إلى اتخاذ مواقف مختلفة من هذا التحرك العسكري؟
بعد أن أطاح الجيش بالبشير من سدة السلطة في العام 2019، دخل السودان فترة قلق غيّرت علاقته مع العالم بشكل جذري. وكان أبرز التغيرات هو عودة السودان الرسمية والتدريجية إلى حضن “البيت الغربي”، وهو مصطلح يستخدم لوصف “البيت الأبيض”. وشمل ذلك إعادة فتح الباب أمام القروض، ورفع العقوبات، وإزالة السودان من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، من بين أمور أخرى.
كل هذا دفع المراقبين إلى البحث عن الثمن الذي كان على السودان دفعه مقابل هذا “العفو الغربي”. للوهلة الأولى، بدا الأمر وكأن الثمن كان تطبيع العلاقات مع الكيان الصهيوني، إسرائيل. ومع ذلك، تشير أحداث اليوم إلى أن التطبيع لم يكن سوى الجانب المعلن من التكلفة التي يتحملها السودان. كان العنصر العسكري هو أول من تفاخر بإقامة العلاقات مع الكيان الصهيوني. ومع ذلك، يبدو أن الغرب يشعر بقلق بالغ بشأن القوة الفريدة للجيش واستبعاد المكون المدني. ويبدو أن التفسير الأساسي لكل هذا يكمن في الجزء الغامض من الثمن الذي دفعه السودان لواشنطن. وعلى الرغم من صعوبة التأكد من هذه القضية، يمكننا أن نستنتج أن الغرب مرتاح أكثر مع المكون المدني لمجلس السيادة السوداني برئاسة المستقيل الآن عبد الله حمدوك، الذي كان قد نشأ في داخل هذه المؤسسة الغربية نفسها ويعد قريبًا منها.
سوف يبني المكون المدني علاقات مع الغرب وواشنطن على حساب روسيا والصين، على سبيل المثال. ومن هنا جاء شطب السودان من القائمة الأميركية للدول الراعية للإرهاب ومنحه تسهيلات أخرى كفرصة لإعادة هذه العلاقات ودفع العلاقات مع روسيا والصين إلى نوع من الخمول، إضافة إلى بعض المؤشرات القادمة من مصر.
تعبر التساؤلات التي أثيرت حول موقف حمدوك من “سد النهضة”، الذي يجري بناؤه في إثيوبيا ويهدد بقطع المياه عن مصر، عن ارتياح واشنطن الضمني لتحرك الجيش السوداني. ويبدو أن القائمة تطول لتشمل الاختلافات في مواقف المكونين المدني والعسكري من طبيعة علاقة السودان بالعالم. وعلى الرغم من أن بعض هذه المواقف ما تزال غير معروفة، إلا أننا نتوقع سماعها في القريب.
يبقى باب التأويلات واسعا للغاية، ولكن لن يمر وقت طويل قبل أن يكشف اللاعبون عن أسرارهم حيث لا يمكن إخفاء المواقف والتوازنات لفترة طويلة. وتقع القوة اليوم في يد الجيش السوداني الذي يخضع لضغوط خارجية وداخلية. ومن هذه الزاوية بالذات، يمكن أن يكسب دعمَ الشعب السوداني في مواجهة الضغوط الخارجية. ويحتاج السودان إلى تغيير موقعه في الصراع العالمي ليكون في المكان الذي يلبي مصالح شعبه. وسيكون هذا المكان حتمًا بعيداً عن المعسكر الغربي وواشنطن.

* باحث أفريقي مقيم في القاهرة في حقل العلوم السياسية المتعلقة بالشؤون الأفريقية. كتب للعديد من المجلات والصحف الأفريقية، وأسهم في ترجمة طبعات من الأوراق والمقالات باللغتين العربية والإنجليزية لمراكز بحثية عدة في القارة الأفريقية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Understanding the Who and the Why of the Sudan Coup

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock