ترجمات

فوضى دورة طوكيو تظهر ما تدور حوله الألعاب الأولمبية حقًا – المال

بيغوناثان ليو – (نيو ستيتسمان)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

لو أن اللجنة الأولمبية الدولية ألغت الألعاب الأولمبية، لكان عليها أن تعيد ما يقرب من 2.9 مليار جنيه إسترليني لأصحاب شركات البث.

  • * *
    مع اختبارها واحدة من أسرع تفشيات فيروس “كوفيد” نموًا في العالم، ووجود سكان غير محصنين باللقاحات إلى حد كبير، ونظام صحي منهك على وشك الانهيار، علقت دولة فيجي الواقعة في جزر المحيط الهادئ فعليًا جميع أشكال سفر الركاب إلى خارج البلد في أوائل حزيران (يونيو). ولم يتم استثناء سوى عدد قليل فقط من رحلات الطوارئ، مثل الشحن والإمدادات الغذائية الحيوية. وكان هذا هو السبب في أنه في الساعات الأولى من يوم 8 تموز (يوليو)، سافر الفريق الأولمبي بأكمله للبلاد -بما في ذلك فريق الرغبي للرجال المكون من سبعة لاعبين والحائز على الميدالية الذهبية- إلى دورة الألعاب الأولمبية في طوكيو على متن طائرة شحن مليئة بالمأكولات البحرية المجمدة.
    بينما نصل أخيرا إلى نهاية الطريق الطويل وغير الكريم المؤدي إلى دورة الألعاب الأولمبية 2020 المتأخرة، تقدم الصورة السريالية لنخبة الرياضيين الذين يسافرون إلى طوكيو محاطين بصناديق مليئة بالأسماك الميتة موتيفاً مناسباً لدورة ألعاب لم يكن التمييز بين النفعية والعبثية فيها واضحاً دائماً.
    منذ اللحظة التي أصرت فيها اللجنة الأولمبية الدولية (IOC) على أن تُقام دورة ألعاب طوكيو 2021 مهما يكن واقع الحال، وضعت نفسها في الأساس رهينة للظروف. وكان فقط عندما هبط الرياضيون والمسؤولون والصحفيون في اليابان قبل حفل الافتتاح في 23 تموز (يوليو) حين اكتشفنا حقا مدى غرابة كل هذا من الناحية العملية.
    خذ القرية الأولمبية على سبيل المثال، التي وعد فيها رئيس اللجنة الأولمبية الدولية، توماس باخ، بثقة مفرطة بأنه سيكون هناك خطر “صفر” من نقل الرياضيين فيروس “كوفيد”. ومع ذلك، ثبتت في وقت مبكر، اعتبارًا من 19 تموز (يوليو)، إصابة ثلاثة رياضيين بالفعل بالفيروس هناك، وظهرت نتائج اختباراتهم إيجابية، وهم لاعبان من جنوب إفريقيا ولاعب تشيكي للكرة الطائرة الشاطئية. وبالنسبة لكل هؤلاء الثلاثة، يغلب أن تتكون تجربتهم الأولمبية من قضاء 14 يوما في الحجر الصحي القاسي قبل أن يطيروا عائدين إلى الوطن. وقد اضطر العديد من المنافسين الآخرين، بما في ذلك لاعب التنس الأميركي كوكو جوفر، إلى الانسحاب قبل السفر بسبب الإصابة بالفيروس. كما أجبر ستة أعضاء من فريق ألعاب القوى البريطاني على الإقامة في العزل بعد أن ظهرت نتيجة اختبار إيجابية لأحد الركاب الذين كانوا معهم على متن نفس الطائرة. حدث كل هذا قبل إقامة سباق واحد، أو رمية أو مباراة أو غطسة واحدة، أو أي شيء قد يفعله الرياضيون على لوح تزلج.
    أو خذ حفل الافتتاح، الذي أقيم في الاستاد الأولمبي الجديد في طوكيو الذي يتسع لـ60 ألف متفرج، والذي تم بناؤه بتكلفة مليار جنيه إسترليني لدورة ألعاب ستقام الآن من دون حضور أي مشجعين. بعد إلغاء التصميم الأصلي الطموح الذي وضعته المعمارية الراحلة زها حديد في العام 2015 وسط احتجاج على التكاليف المتصاعدة، تم تبني بديل أرخص، يتميز بسقف خشبي مميز من تصميم المهندس المعماري الياباني كينغو كوما. ولسوء الحظ، لا يبدو أن أحداً يدرك ما قد يعنيه هذا بالنسبة للشعلة الأولمبية الشهيرة التي عادةً ما توضع فوق الملعب. وهكذا، يجب نقل موقع مرجل الشعلة بعد حفل الافتتاح إلى الواجهة البحرية في طوكيو لأسباب تتعلق بالسلامة من الحرائق.
    يبدو وصف دورة الألعاب الحالية بأنها “في أزمة” غير ملائم إلى حد مُحزن، بالنظر إلى أنها كانت موجودة في حالة من الأزمة الدائمة منذ 18 شهرا، وتستمر في شق طريقها بصعوبة بغض النظر عن ذلك. ويبدو وصفها بأنها “تنحدر إلى مهزلة” ممجوجا وفائضا عن الحاجة بنفس المقدار: من المرجح أن يكون قد تم تجاوز هذا الخط منذ بعض الوقت. ربما لم تكن هناك أي دورة ألعاب أولمبية حديثة على الإطلاق أقيمت وسط مثل هذا الكم من الشكوك والمرارة والاستياء الخالص. لكن من المفارقات أن نوعا معيناً من الوضوح ظهر من هذه الفوضى والالتواءات. وما كان تمييز المعنى الحقيقي للأولمبياد الحديثة ليكون أسهل أبداً: حركة تم تجريدها، من خلال فيروس “كورونا”، من كل طبقاتها من الهراء الغامض، وإظهارها بجوهرها الأكثر نقاء.
    كان السبب الوحيد وراء إقامة هذه الألعاب وسط حالة الطوارئ الراهنة، بتكلفة مدمرة ومن دون جماهير، هو أنه لو تم إلغاء الألعاب لكان يتعين على اللجنة الأولمبية الدولية إعادة ما يقرب من 2.9 مليار جنيه إسترليني لأصحاب شركات البث، أو ما يقرب من 75 في المائة من إجمالي إيراداتها. وعلى النقيض من ذلك، تشعر اللجنة براحة تامة بشأن خسارة مبيعات التذاكر (حوالي 580 مليون جنيه إسترليني، حسب بعض التقديرات)، والتي ستمتصها المدينة المضيفة بالكامل تقريبًا. وهذا ما لدينا: مسابقة تنس الطاولة الأغلى في العالم؛ المسابقة ترفيهية المعقَّمة والمصممة للتلفزيون، يجري خوضها في صمت شبه تام أمام مدرجات شبه فارغة، تقريباً؟ نعم، لأنه في الوقت الذي يتم فيه حظر المتفرجين، ما تزال الحاشية الكبيرة من الشخصيات المهمة للجنة الأولمبية الدولية -أعضاء اللجنة والسياسيون والرعاة، الذين سُمح للعديد منهم بدخول اليابان من دون كل القيود المرهقة المفروضة على الرياضيين والصحفيين- يمكنهم حضور الحفلة. وبحسب التقارير المحلية، كان من المقرر أن يحضر ما بين 1.000 و10.000 شخص حفل الافتتاح.
    كشفت هذه الألعاب عن العديد من ادعاءات ومظاهر الألعاب الأولمبية الحديثة وأظهرت حقيقتها كأساطير جوفاء. كل ما يقال عن فكرة الألعاب ككرنفال عالمي؛ كاحتفال بالرياضة والثقافة، وتعبير عن الفخر والحيوية الوطنية، حيث أعظم الرياضيين في العالم يتنافسون في ذروة أدائهم ويتمتعون بأعلى معايير الرفاهية والإعداد والإنصاف: كل هذا، كما تبين، كان اختياريا؛ شيئاً من الجميل أن يوجد. لكنّ ما كان مهمًا حقاً هو المحصلة النهائية، الاحتفالات المترفة، وإمبراطورية الرعاية والمحسوبية دائمة الاتساع و”مدفوعات التضامن” غير الخاضعة للمساءلة التي تم صرفها للجنة التنفيذية للجنة الأولمبية الدولية المكونة من 102 شخص غير خاضعين للمساءلة، والتي تتمتع بسلطة أكبر من سلطة العديد من الحكومات.
    اتخذتُ قراري بعدم السفر إلى طوكيو قبل نحو أسبوعين فقط. الحجز القسري في فندق؛ واحتمالية الإصابة بالعدوى والتعرض للحجر الصحي؛ تقييد الوصول إلى الرياضيين والملاعب؛ الغياب الأساسي للمتعة والسعادة في تجربة العمل -كل هذه كانت عوامل ذات صلة. ومع ذلك، كان القرار مشوبًا بأسف شديد. فبعد كل شيء، سوف يشعر العالم خلال الأسابيع المقبلة بالإثارة والسحر لرؤية الرياضيين مثل سايمون بايلز، ودينا آشر-سميث وناعومي أوساكا، إلى جانب مجرة من النجوم التي سوف تُصنع بعد. هذه هي القوة الهائلة للألعاب الأولمبية: على الرغم من كل الهدر واللاأخلاقية والفساد، فإنها تظل أعظم حدث رياضي على وجه الأرض. ولن يكون سوى لاحقا فقط، عندما يحزم السيرك أمتعته ويمضي، حين تنظر حولك، وتتشمم الهواء وتلاحظ الرائحة الطاغية للأسماك الميتة.

*Jonathan Liew: كاتب الشؤون الرياضية في صحيفة “الغارديان” البريطانية.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The chaos of the Tokyo Games show what the Olympics is really about – money

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock