أفكار ومواقف

فوق النقد!

تبدو ساحتنا المحلية، بما فيها من عناصر وقوى، عصية على النقد، لا بفعل كمال حققته لتتقي سهامه، وإنما بفعل سياق اجتماعي سياسي، وضع النقد في مرتبة تقترب من الشتائم والانتقاص.


كاتب ما، يدفع ألف دينار لإصدار مجموعته القصصية الأولى، ويوزعها على الصحف بـ”كثافة غريبة”، وعندما “يغرد” زميل ما خارج سرب “التسبيح والثناء”، تثور ثائرته، ويبدأ بحملة الطعن التي تتأسس في الغالب على النيل من نزاهة الزملاء وموضوعيتهم، ليأتي بعدها دور حملة التهديد والوعيد.


موسيقي مبتدئ، ما يزال يعدّ أولى الدرجات، لا يتقبل ما تكتبه عن حفله الذي توسط العشرات لإقامته، لتكتشف أن له رأيا قديما في “الصحافة المنحازة” التي تحاول اغتيال الإبداع والمبدعين. الأحزاب، والتي كانت في زمن ما، تخصص مؤتمرات وجلسات للنقد الذاتي، أصبحت اليوم تضيق بمقال في صحيفة، أو تعليق ما، لا يرضي غرورها بـ”الكمال” الذي ألصقته بنفسها من غير وجه حق.


أما المسؤولون، وعلى امتداد سنوات طويلة، فإنهم يوظفون مديري مكاتبهم، من أجل “اصطياد” كل ما لا يلائم كراسيهم من مقالات وأخبار، للرد عليها سريعا، وبلهجة تتجلى فيها نبرة “أبناء السيدة” في مقابل “أبناء العبدة”.


في الأردن، لا يمكن لك أن تمارس النقد بفروعه المختلفة؛ سياسيا، اجتماعيا، أدبيا، أو اقتصاديا، إلا وأنت مدرك أن جميع الاحتمالات مفتوحة على مصراعيها، فحملات الاغتيالات الشخصية يتوظف فيها كل شيء، ولن تكون بمعزل عن النار التي لا شك ستبدأ بالتهام كل ما في طريقها.


أصبح لدينا “محميات” لا يمكن اختراقها، منها: المسؤولون، الاقتصاد الوطني، المشاريع الحكومية، البنوك، المال العام والخاص، أبناء الذوات، المدارس الحكومية والخاصة، الخطط الخمسية والعشرية، الاحتياطي النقدي، العشائرية، جرائم الشرف، حجم العمالة الوافدة، زنى المحارم، الصحافة والإعلام، شراء الذمم وبيع أصول الدولة!


قائمة المحذورات تطول أكثر وأكثر.


وسط هذه المحذورات جميعها، لديّ مقالة أسبوعية، وفي كل أربعاء أغتمّ كثيرا وأنا أفكر في الموضوع الذي سأتناوله.


حسنا، اليوم هو الأربعاء. أجد أن الحديث عن الطقس سيكون أكثر من مناسب.


بدأ الأمر كله يوم السبت الماضي. كان النهار لا يطاق. قال لنا مذيع أنيق على إحدى شاشات التلفزة غير الأردنية إن القادم أسوأ.


في البداية، اعتقدنا أن في الأمر مزحة ما من مذيع “دمو خفيف”، لكن الظهيرة قرّبت الجحيم إلى أبداننا. كانت الأرض تحترق. الشوارع بدأت تتخفف من روادها الدائمين، “الكونديشينات” بدأت بإطلاق حممها الباردة على أجساد “المتكومين” في البيوت، ليبدأ “الحمل الكهربائي” بالرضوخ لاشتراطات موجة الحر: بدا أن التيار الكهربائي على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة.


لا. لا. ليس هذا ما عنيته تماما. كنت أريد أن أقول: كان هناك ارتفاع على درجات الحرارة. لم يحدث أي شيء استثنائي، وجميع الأمور سارت على طبيعتها!


[email protected]

تعليق واحد

  1. الاعتراف
    الخوف من الاعتراف بان المجتمع بحالة تكهرب مالية و اخلاقية صعبة و الغريب بالأمر ان الحكومة تنفي ذلك وجميل ايضا اننا نعرف ذلك ونقول الدنيا بخير … تدارك الموقف في اوله هو افضل شيء

  2. ???
    آمل ان يتسع صدر الملكاول والغد لهذا التعليق، بمناسبة ان المقال يتحدث عن نظرية المؤامرة. لست يا موفق من اول من كانوا يتهمون منتقديهم بانهم يحيكون مؤامرات ضدهم؟

  3. ضحكت
    ضحكت من قلبي على تعليق سامي يبدو انه مقروص جيدا من ملكوي

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock