أفكار ومواقفرأي اقتصادي

فيروس “كورونا” يربك لجنة بازل

ترك فيروس “كورونا” مجموعة من التداعيات على مقررات بازل، خاصة تلك المتعلقة بتطبيق ما تبقى من مقررات بازل 3 التي كانت من المفروض أن تنتهي المدة المقررة لتطبيقها في 2020، وهو عام جائحة “كورونا” التي اجتاحت العالم وعطلت العديد من قطاعاته الاقتصادية، ومنها بالطبع الاقتصادات العربية والإسلامية؛ حيث تسبب في مشاكل سيولة للشركات، وهذا بدوره انعكس على القطاع المصرفي العالمي والأسواق المالية كافة، تمثل في نقص السيولة وانخفاض في التدفقات النقدية بشكل ملموس، فبرزت بعض الأصوات تطالب بتأجيل ما تبقى من مقرارات بازل3، وخاصة النسخة الجديدة لبازل3 التي تسمى أحيانا بـ”بازل4″، حتى يتسنى للمقرضين؛ أي القطاع المصرفي والمؤسسات المالية، التركيز على سبل التعامل مع التداعيات المختلفة للأزمة التي تسبب بها فيروس كورونا، ما حدا بلجنة بازل للتشريعات المصرفية باتخاذ قرار تأجيل تطبيق معايير الرسملة الجديدة للبنوك حتى العام 2023، رافق ذلك تمديد لاعتماد الإطار الجديد لمخاطر السوق ومتطلبات الإفصاح من قبل لجنة المصارف في مجموعة بازل، وذلك لفسح المجال للقطاع المصرفي للتعامل مع تداعيات هذه الأزمة وبما يساعد كذلك على التخفيف من قيود رأس المال التي قد تحد من القدرة التشغيلية لبعض المصارف. هذا الوضع المستجد لأزمة “كورونا” دفع ببعض البنوك المركزية الأوروبية وخوفا من تزايد عمليات التعثر والإفلاس التي قد تصيب بعض المستثمرين والشركات الإنتاجية، دفعها للتساهل في بعض معايير السيولة والملاءة المالية، وذلك حتى تتمكن المصارف والمؤسسات المالية من مساعدة القطاعات الاقتصادية التي تضررت بسبب جائحة كورونا، كما اتبعت العديد من البنوك المركزية في مناطق مختلفة من العالم بتخفيض أسعار الفائدة وبعض الميزات الائتمانية للمستثمرين وقطاع الأعمال عليهم من التعثر أو الخروج من السوق، وكان من الواضح أن البنوك المركزية والبنوك الكبرى في الدول الصناعية الكبرى، خاصة في أوروبا والصين وأميركا واليابان وفي المنطقة العربية، وخاصة المصارف الإسلامية، أبدت جهودا ليست بالسهلة في مواجهة هذه الجائحة بهدف استمرار القطاعات الاقتصادية بالنشاط الاقتصادي وعدم انهيارها أو إفلاسها وخروج الآلاف من العاملين الى البطالة وبالتالي زيادة تعقيدات هذه الأزمة، والخوف من عدم قدرة المستثمرين والشركات على السداد.
في محاولة من لجنة بازل للتقليل من الآثار السلبية التي أوجدتها جائحة كورونا على الاقتصاد العالمي، خاصة القطاع المالي، فقد وضعت مجموعة من المعايير التي تتعلق بالقدرة التشغيلية لقطاع البنوك بشكل عام على مواجهة أي مستجدات قد تؤدي الى حدوث اختلالات أو تعطيل للنظام المالي العالمي، ثم أصدرت تعميما تم توزيعه على الأعضاء كافة في اتفاقيات بازل، قالت فيه “نظرا للدور الحاسم الذي تلعبه البنوك في النظام المالي العالمي، فإن زيادة قدرة البنوك على استيعاب الصدمات والمخاطر التي يمكن أن تتسبب في إخفاقات تشغيلية كبيرة أو اضطرابات واسعة النطاق في الأسواق المالية، مثل الأوبئة، والحوادث الحاسوبية، وإخفاقات التقنية أو الكوارث الطبيعية، ستوفر ضمانات إضافية للنظام المالي العالمي ككل. وأن القدرة على التكيف التشغيلي هي أيضا نتيجة لإدارة المخاطر التشغيلية بفعالية”.
المصارف الإسلامية تتمتع بوضع مريح من حيث معدل السيولة فهي تحتفظ بمعدل كفاية رأس المال يزيد على 18 %، وهو أكثر مما تتطلبة معايير بازل3، وهذا يوفر لها القدرة على التعامل مع أزمة كورونا بكل مرونة، فعلى الرغم من شراسة هذه الأزمة وقسوتها فإننا نعتقد بأنها فرصة لها لصياغة نموذج في إدارة الأزمة لتكيفها مع هذا الواقع المفروض عليها كما هي بقية القطاعات الاقتصادية محليا وعالميا وأن تجعل من هذه التحديات فرصة لتطور خدماتها ومنتجاتها المالية وأن تستعد لأي تغيرات قد يشهدها العالم، خاصة على القطاع المالي والمصرفي بعد أزمة هذه الجائحة.
*باحث في التمويل الإسلامي

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock