ترجمات

فيروس “كوفيد – 19” يتحوَّر.. ما الذي يعنيه ذلك للقاحات؟

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أليس بارك* – (مجلة تايم) 7/1/2021
مكمن القلق الأكبر في الوقت الحالي هو وجود نوعين أو ثلاثة تنويعات من (سارس-كوف-2) التي أحدثت طفرات تغيّر تركيبة البروتينات الشوكية للفيروس؛ حيث يمكن لحدوث طفرات إضافية في مثل هذه الأماكن أن تُحدث تغييرًا أكثر أهمية من حيث القابلية للانتقال أو مدى الخُبث والضرر.
* * *
مع دخولنا العام الثاني من العيش مع فيروس كورونا المستجد (سارس-كوف-2)، يحتفل الفيروس بغزوه سكانَ العالم بعرض المزيد من الأشكال المتحوّرة التي تساعده على الانتشار بسهولة أكبر من شخص لآخر.
الشكل المتحوّر الأول، الذي تم اكتشافه أول الأمر في المملكة المتحدة في كانون الأول (ديسمبر)، قرع مُسبقاً أجراس الإنذار حول ما إذا كان فيروس “كوفيد -19” يفلت من الحماية التي قد توفرها اللقاحات التي يتم طرحها الآن. كما تم العثور على هذا المتغيِّر من الفيروس في الولايات المتحدة أيضاً. وقد شدد المسؤولون البريطانيون مُسبقاً عمليات الإغلاق في إنجلترا وإسكتلندا وويلز. وخلال العطلات، حظرت أكثر من 40 دولة دخول المسافرين من المنطقة التي ينتشر فيها المتغير الجديد، في محاولة لمنع السلالة الجديدة من الانتشار إلى أجزاء أخرى من العالم. ويشعر مسؤولو الصحة بالقلق أيضًا من سلالة مختلفة تم اكتشافها في جنوب إفريقيا، والتي يمكن أن تصبح أكثر مقاومة للحماية من اللقاح. ويتضمن هذا المتغير من الفيروس بعض الطفرات التي حدثت في المناطق الرئيسية التي تستهدفها الأجسام المضادة التي ينتجُها اللقاح.
لم يتضح بعد كيف تؤثر السلالات الجديدة بالضبط على الأشخاص المصابين -مثل ما إذا كانت تظهر عليهم أعراض أكثر حدة- وما إذا كان يمكن أن تؤدي إلى المزيد من حالات دخول المستشفى والوفيات. لكن العلماء يكثفون جهودهم لتحديد التسلسل الوراثي في مزيد من العينات المأخوذة من المرضى المصابين لمعرفة مدى انتشارها. وحتى الآن، هناك ما يكفي من الإشارات لإقلاق خبراء الصحة العامة.
لا تشكل حقيقة أن (سارس-كوف-2) يتحول إلى سلالات ربما أكثر خطورة مفاجأة بعد كل شيء. فالفيروسات تتحوّر. ويجب أن تفعل من أجل تعويض حذفِ حاسم قد يحدث في تركيبتها. وعلى عكس مسببات الأمراض الأخرى، مثل البكتيريا والفطريات والطفيليات، لا تمتلك الفيروسات أيًا من الآليات اللازمة لعمل نسخ أكثر من نفسها، لذلك لا يمكنها أن تتكاثر بمفردها. وهي تعتمد بشكل كامل على اختطاف الأدوات الإنجابية للخلايا التي تصيبها من أجل توليد ذريتها.
يعني كون الفيروسات مثل هؤلاء المستغلّين أنها يمكن أن تكون انتقائية بشأن مضيفيها، ويجب أن تتعامل مع أي معدات خلوية يمكنها العثور عليها. ويؤدي هذا عمومًا إلى سلسلة من الأخطاء عندما تتسلل الفيروسات لكي تنسخ شيفرتها الوراثية؛ ونتيجة لذلك، تمتلك الفيروسات الجينومات الأكثر عرضة للخطأ من بين الميكروبات. وعادة ما يكون الجزء الأكبر من هذه الأخطاء لا معنى له -مجرد بدايات زائفة وطرق مسدودة- وليس لها تأثير على البشر. ولكن مع حدوث المزيد من الأخطاء، تزداد إلى حد كبير احتمالات أن يجعل أحدُها الفيروس أفضل في الانتقال من شخص إلى آخر، أو في ضخ المزيد من النسخ منه.
لحسن الحظ، تولِّد فيروسات كورونا المستجد على وجه الخصوص هذه الأخطاء الجينية بشكل أبطأ من أبناء عمومتها، مثل فيروسات الانفلونزا وفيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة (الإيدز)، وقد وجد العلماء الذين درسوا تسلسل الآلاف من عينات (سارس-كوف-2) من مرضى “كوفيد -19” أن الفيروس يرتكب نحو خطأين في الشهر. ومع ذلك، أدى ذلك حتى الآن إلى حدوث حوالي 12.000 طفرة معروفة في (سارس-كوف-2)، وفقًا لـGISAID، وهي قاعدة بيانات جينية عامة للفيروس. وينتهي الأمر ببعض هذه الطفرات، بالصدفة المحضة، إلى خلق تهديد أكبر للصحة العامة.
بعد بضعة أشهر فقط من اكتشاف فيروس (سارس-كوف-2) في الصين في كانون الثاني (يناير) من العام الماضي، على سبيل المثال، حل متحوِّر جديد، يسمى D614G، محل السلالة الأصلية. وأصبحت هذه النسخة الجديدة هي السائدة التي ضربت الكثير من أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا الجنوبية. وما يزال خبراء الفيروسات غير متأكدين من مدى أهمية متحوّر D614G، الذي سُمي على اسم مكان حدوث الطفرة في الجينوم الفيروسي، عندما يتعلق الأمر بمرض يصيب الإنسان. ولكن حتى الآن، تُظهر عينات الدم المأخوذة من الأشخاص المصابين بهذه السلالة أن الجهاز المناعي ما يزال بإمكانه تحييد الفيروس. وهذا يعني أن اللقاحات الحالية التي يتم طرحها في جميع أنحاء العالم يمكن أن تحمي أيضًا من هذه السلالة، حيث تم تصميم اللقاحات لتوليد استجابات مناعية مماثلة في الجسم. ويقول رالف باريك، أستاذ علم الأوبئة وعلم الأحياء الدقيقة والمناعة في جامعة تشابل هيل في كارولينا الشمالية، الذي درس فيروسات كورونا لعقود عدة: “إذا كان الجمهور قلقًا بشأن ما إذا كانت المناعة التي يوفرها اللقاح قادرة على تغطية هذا المتغير، فستكون الإجابة نعم”.
لكن ما يسمى المتغير N501Y (بعض مسؤولي الصحة يسمونه أيضًا B.1.1.7.)، الذي تم اكتشافه مؤخرًا في المملكة المتحدة والولايات المتحدة، قد يكونُ قصة مختلفة. بناءً على الدراسات المعملية والحيوانية، يعتقد الباحثون أن هذه السلالة يمكن أن تنتشر بسهولة أكبر بين الناس. ويقول باريك إن هذا ليس مفاجئًا، لأنه حتى هذه اللحظة، لم يتعرض معظم سكان العالم لـ(سارس-كوف-2). وهذا يعني أن السلالات الأفضل في التنقل من شخص إلى آخر، في الوقت الحالي، ستتمتع بميزة في نشر الشفرة الجينية. لكنّ ذلك قد يتغير مع حصول المزيد من الناس على المطاعيم والحماية من الفيروس. ويقول باريك: “إن ظروف الانتقاء لتطور الفيروس في الوقت الحالي تفضل الانتقال السريع. لكنّ ضغوط الاختيار تتغير مع تزايد حصانة البشر. ولا نعرف الاتجاه الذي سيذهب إليه الفيروس”.
في أسوأ السيناريوهات، قد تدفع هذه التغييرات الفيروس إلى مقاومة الخلايا المناعية الناتجة عن اللقاحات المتاحة حاليًا. وتشكل التنويعات المتحوِّرة الحالية محاولات الفيروس الأولى لتعظيم احتوائه للبشر كآلات نسخ فيروسي. لكنها يمكن أن تكون أيضًا بمثابة العمود الفقري الذي يبني عليه (سارس-كوف-2) عملية استحواذ أكثر استدامة واستقرارًا. ومثل سجين يخطط للهروب من سجن، فإن الفيروس ينتظر وقته بصبر ويقضي على الدفاعات التي بناها نظام المناعة البشري. وعلى سبيل المثال، قد يتحور الفيروس بطريقة تغير تركيبة البروتينات الشوكية -وهي جزء الفيروس الذي تحاول الأجسام المضادة في الجهاز المناعي الالتصاق به من أجل تحييد الفيروس. وقد لا تكون هذه الطفرة الوحيدة كافية لحماية الفيروس من تلك الأجسام المضادة. لكن طفرتين أو ثلاث ربما تكفي.
مكمن القلق الأكبر في الوقت الحالي، كما يقول باريك، هو وجود نوعين أو ثلاثة تنويعات من (سارس-كوف-2) التي لديها طفرات في مثل هذه الأماكن، “حيث يمكن لطفرات إضافية أن تُحدث تغييرًا أكثر أهمية من حيث القابلية للانتقال أو مدى الخُبث والضرر”.
أفضل طريقة لرصد هذا التطور هي تعقُّب تسلسل الفيروس في أكبر عدد ممكن من المصابين، كلما أمكن ذلك وبأكبر قدر ممكن. فقط من خلال تتبع كيفية تغيُّر (سارس-كوف-2)، يمكن للعلماء أن يأملوا في البقاء متقدمين على الطفرات الأكثر خطورة والأكثر فتكًا. في تشرين الثاني (نوفمبر)، أطلقت “المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض” (CDC) برنامجًا لتعقب التسلسل، والذي سيطلب من كل ولاية إرسال 10 عينات كل أسبوعين من الأشخاص المصابين، من أجل تتبع أي تغييرات في جينوم (سارس-كوف-2) بطريقة أكثر تساوقاً. لكن هذا يبقى برنامجاً تطوعياً. ويقول باريك: “ما يزال هذا ليس جهدًا على المستوى الوطني، إنه تطوعي، ولا يوجد تمويل مخصص له. هيا، نحن في القرن الحادي والعشرين -دعونا ندخل القرن الحادي والعشرين”.
من دون تمويل فيدرالي كبير، والذي يكون مخصصاً بالتحديد لتعقُّب تتسلسل جينومات (سارس-كوف-2)، يتم حاليًا تنفيذ معظم العمل في الولايات المتحدة بواسطة علماء في مراكز أكاديمية، مثل معهد برود في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، وجامعة هارفارد وجامعة واشنطن. ومنذ أوائل العام الماضي، يعمل مركز السيطرة على الأمراض على تشخيص فيروسات (سارس-كوف-2) بشكل أفضل من عينات المرضى بالشراكة مع بعض هذه المختبرات الأكاديمية، وكذلك مع الإدارات الصحية الحكومية والمحلية وشركات التشخيص التجارية، في “دراسة تسلسل (كوفيد-سارس-2) لاستجابة طوارئ الصحة العامة وعلم الأوبئة والمراقبة: (SPHERES). ويقول باريك: “إذا رصدنا تسلسل حالة واحدة من بين 200 حالة، فإننا نفقد بذلك الكثير من المعلومات. وإذا كنا نتعقب تسلسل حوالي 20 في المائة من الحالات، فإننا قد نبدأ في رؤية شيء ما وسنكون في لعبة العثور على متحوِّرات جديدة. ربما نستطيع القيام بعمل أفضل هنا في الولايات المتحدة”.
كما تعمل دول أخرى أيضًا على مثل هذا الجهد. ولطالما كانت المملكة المتحدة رائدة في التسلسل الجيني، ومن المرجح أننا استطعنا بفضل جهود علمائها تحديد المتغير الجديد بسرعة نسبيًا بعد ظهوره. وعلى الصعيد العالمي، يقوم العلماء أيضًا بإرسال التسلسلات الجينية لـ(سارس-كوف-2) ونشرها في قاعدة البيانات العامة لمبادرة GISAID.
يقول الدكتور أنتوني فاوشي، مدير المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية، وكبير المستشارين الطبيين للرئيس المنتخب جو بايدن، إن فرقه تقوم بتسجيل تسلسل المتغيرات الجديدة ودراستها من أجل تحقيق فهم أفضل لأي تأثيرات يمكن أن تكون لها على المرض، ومعرفة كم تكون قريبة من التسبب في مرض أكثر خطورة، والأهم من ذلك، مع تلقي المزيد من الأشخاص للتطعيم، ما إذا كان بإمكان التنويعات الجديدة الإفلات من حماية اللقاحات التي نعرف أنها تعمل اليوم.
الخبر السار هو أنه إذا أصبحت السلالات المتحولة من الفيروس مقاومة للقاحات الحالية، فإن تقنية مرسال الحمض النووي الريبي، mRNA، الكامنة وراء لقاحات “فايزر-بيونتيك” و”مودرينا” يجب أن تمكِّن هذه الشركات من تطوير جرعات جديدة من اللقاح من دون الحاجة إلى نفس التطوير والاختبار المطولَين اللذين يتطلبهما إنتاج النسخ الأصلية. ويقول الدكتورفاوشي: “تتميز منصة مرسال الحمض النووي الريبوزي بمرونة كبيرة في الالتفاف”. وإذا كانت هناك حاجة إلى لقاح جديد، فسوف تتعامل معه إدارة الغذاء والدواء على أنه تغيير في سلالة هدف الفيروس، على غرار الطريقة التي يتم بها تعديل لقاحات الانفلونزا كل عام. ويقول الدكتور فاوشي: “يمكنك عمل ذلك بسرعة كبيرة”، بعد أن ظهر في الاختبارات التي أجريت على بضع عشرات من الأشخاص أن اللقاح الجديد أنتج كميات مُرضية من الأجسام المضادة والحماية ضد الفيروس المتحوِّر.
سيكون تتبع كل تحوُّر يقوم به الفيروس أمرًا حاسماً وبالغ الأهمية لشراء الوقت اللازم لتغيير أهداف اللقاح قبل أن يقفز (سارس-كوف-2) بعيدًا جدًا إلى الأمام بحيث يتعذر على العلماء اللحاق به. ويقول الدكتور فاوشي: “نحن نأخذ (هذه المتغيرات) على محمل الجد وسنتابعها عن كثب للتأكد من أننا لا نفوتُ أي شيء”.

*Alice Park: كاتبة في مجلة “تايم”. تكتب عن كسر حدود الصحة والطب في مقالات تغطي قضايا مثل الإيدز والقلق ومرض الزهايمر. أحدث كتاب لها بعنوان “الأمل في الخلايا الجذعية: كيف يمكن لطب الخلايا الجذعية أن يغير حياتنا”.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: The COVID-19 Virus Is Mutating. What Does That Mean for Vaccines?

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock