فنون

فيلم “الخبز الحافي”: مائة دقيقة من سيرة محمد شكري

 القاهرة –  حين صدرت السيرة الذاتية للكاتب المغربي محمد شكري منعت في معظم الدول العربية بحجة جرأتها الزائدة وغير المألوفة لكن فيلم “الخبز الحافي” الذي حمل عنوان السيرة يذهب إلى أكثر من ذلك إذ يمجد حياة جعلت من البطل “شيطانا” بدلا من أن يكون ملاكا بلا تجربة.


يبدأ الفيلم الذي أخرجه الجزائري رشيد بن حاج (56 عاما) بمدينة طنجة الشمالية الساحلية في مطلع الأربعينيات والطفل محمد شكري يبحث في صناديق القمامة عن كسرة خبز يسد بها فم الفقر الذي تعيش فيه أسرته فيعثر على حذاء ودجاجة ميتة.


   لكن أمه تلقي بالدجاجة بعيدا وتنهره قائلة “حرام المسلمين ياكلوا الجيفة”. وينظر الطفل الذي يظل مسلوب الوعي إلى أن يتجاوز العشرين إلى أمه بغضب في إشارة إلى أن الفقر والجوع أكثر حرمة. وهي فكرة سبق إليها الكاتب المصري يوسف إدريس (1927 – 1991) في قصة “طبلية من السماء” حيث يهدد بطلها بإعلان كفره إن لم يقدم إليه الناس مائدة عامرة بطعام يسد به الجوع.


وفي مشهد مؤثر من الفيلم وهو إنتاج مغربي-فرنسي-إيطالي تسقط زجاجة لبن من سيدة ثرية فينحني الطفل إلى الأرض لاعقا الحليب ويدمي الزجاج لسانه ولكنه يواصل البحث عن بقايا الحليب بين تراب الشارع وكسر الزجاج.


   وعرض الفيلم مساء اول من أمس الأربعاء في القسم الرسمي خارج مسابقة مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الذي بدأت دورته التاسعة والعشرون الثلاثاء الماضي وتختتم في التاسع من ديسمبر كانون الأول الجاري بمشاركة 140 فيلما تمثل 48 دولة.


والفيلم الذي تبلغ مدته مائة دقيقة يجعل من الصبي الذي لا يخلو رأسه من قرحات شاهدا على حياة قاسية إذ يبكي أخوه الصغير عبد القادر من الجوع فيضيق به أبوه ويحاول منع بكائه فيقتله. لكن الفقراء يجدون في الجنس ملاذا ولا يتورعون عنه على مرأى ومسمع من الصغار. وتلد الأم بنتا في حين يكون شكري الفتى في السينما يشاهد فيلما ويشعر بقوة غريبة في جسده تتحول إلى رعشة البلوغ ويكتشف أنه أصبح رجلا.


وبالمصادفة يتحول جسد الصبي إلى سلعة حين يناديه ثري مترهل الجسد من سيارته ويطلب منه الصعود وبعد فترة يتحسس فخذ الصبي فيغضب ولكن الرجل يخرج من حافظته أوراقا ماليا تكفي لشراء اللذة وبيعها أيضا.


من هذه الأموال تشتري الأسرة شاهد قبر للطفل القتيل ويكتب عليه “عبد القادر شكري”.


   ويظل شكري ناقما على أبيه ويصرح لأمه بأنه يريد قتله ويتخيل ذلك في مشهد افتراضي تسيل فيه دماء الأب بعد أن يضربه بزجاجة خمر. وذات ليلة يعود إلى البيت ويجد أخته أمام الباب وأبويه في لحظة وصال وتسأله البنت التي أنضجها الفقر قبل الأوان عن هذا الذي يحدث في الداخل فيشرح لها شكري أن الآباء يقسون على الزوجات نهارا ويصالحونهن ليلا “الرجل يضرب مرته في النهار وفي الليل يحن عليها.”


   ويعد شكري (1935 – 2003) الذي يوصف بالكاتب الصعلوك من أشهر الكتاب المغاربة كما أن “الخبز الحافي” التي كتبها في السابعة والثلاثين تعد الأكثر جرأة في السير الذاتية العربية وتعرضت للمنع في معظم الدول العربية وآخرها مصر قبل سنوات انطلاقا من الحفاظ على ما تصوره الرقباء خدشا للذوق العام حيث تتعرض السيرة لعالم الجريمة والدعارة والسلوك الجنسي المثلي بكثير من الخشونة اللفظية.


ولشكري الذي تعلم الكتابة في السجن وعمره 21 عاما قصص وروايات أخرى منها “مجنون الورد” و”السوق الداخلي” و”الشطار”.


وبالتوازي يستعرض الفيلم وعي جماهير المغرب بقضية استقلال بلادهم بعد أربعين سنة من الاحتلال الفرنسي. ويفاجأ شكري عام 1954 بأنه وسط مظاهرة تطالب بالحرية والاستقلال فيسأل.. لماذا. وتأتيه الإجابة “نبغي نخرج الفرنسيس”.


   وبعد تجارب من التعامل مع بنات الليل يجد البطل نفسه معتقلا مع آخرين منهم الشاب وطني مرواني الذي يكتب على جدران السجن بمسمار أبياتا من قصيدة للشاعر التونسي أبي القاسم الشابي (1909 – 1934) ومنها.. “إذا الشعب يوما أراد الحياة – فلابد أن يستجيب القدر. ولا بد لليل أن ينجلي – ولابد للقيد أن ينكسر.”


ولا يفهم شكري شيئا لأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة فتبدأ رحلته مع الكلمة حتى أن ملك المغرب محمد السادس نعاه بوصفه “أحد المبدعين المرموقين فقد فيه المشهد الثقافي لبلادنا أحد أعلامه البارزين في فن الرواية.”


ويختتم الفيلم بمشهد لشكري نفسه في نهاية حياته وهو جالس أمام قبر أخيه عبد القادر ويتذكر كلمات قيلت يوم مات أخوه تشير إلى أنه في الجنة مع الملائكة ويهمس لنفسه قائلا إن الصغار إذا ماتوا يظلون ملائكة ولأن الميت ملاك فلابد أن الحي شيطان.


ويعلق.. “فاتني أن أكون ملاكا.”

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock