أفكار ومواقفرأي في حياتنا

فيلم لتوثيق الدمع

كنّا نظنُّ أن اليوم التالي للثورة سيكون مشمساً، ودرجات الحرارة أعلى من معدلها السنويّ قبل مائة عام، وأنّ تداول السلطة سيكون سلساً مثل تبديل المناوبات في مصنع ألبان. اعتقدنا أنّا سنتحكّم بإعدادات المترو الذي سينقلنا إلى الضفّة الربيعية، وأسرفنا في تخيّل سيناريو المحاكمات العلنية لـ”العهد البائد”.
وزّعنا في ما بيننا النماذج الاقتصاديّة، واختلفنا من هو الياباني والتايواني، ثمّ اجتهدنا في اختيار وظائف الرئيس بعد الولاية الثانية، يمكن أن يصبح أستاذاً جامعياً أو كاتب مقال نصف شهري. كنّا واثقين أنّ ألمَ الدبّوس لن يطول أكثر من أربع وعشرين.. والحساب بالساعات!
مائة عام ونحن نسمّي الانقلاب ثورة، نفتح الإذاعات في الصباحات العاديّة على البيان الأول لـ”فتية آمنوا بربّهم”، فيبدأ العهد الجديد من على درج وزارة الدفاع، وينتهي العهد القديم لـ”الرفاق” على مقصلة أو في بيت على الطريق الصحراوي. نشيد جديد مع كَسْر في الوزن وافتعال للقافية، علم من ثلاثة ألوان، ومذيعون برتبة ضباط صف، وأغنيات مُغبَرّة تُصوّر على جبهات آمنة، وطباعة جديدة للمناهج المدرسيّة لتعديل التاريخ وإطالة الجغرافيا. صور عابسة مكان صور عابسة على العملة النقدية، وحروب ضرورية باسم فلسطين وإن كانت باتجاه الكويت أو اليمن، ثمّ ثورة فانقلاب!
منذ حريق البوعزيزي المسرحيّ في ولاية سيدي بوزيد، قبل تسعة شتاءات والطقس متقلّب في حوض المتوسط، ودرجات الحرارة ترتفع أو تنخفض حسب عمق المنخفض الروسي. تمّ استيراد لحى وعمائم من أفغانستان، ولحى شقراء من أوروبا القديمة، جاء أيضاً موظفون أمميون من مستوى رفيع للتعبير عن القلق البالغ، حروب عبر وكالات وشيكات مجيّرة، وقتلى أكثر من طاقة موجز للأنباء. كنا نظن أن اليوم التالي سيكون مشمساً، والربيع لا بدّ أنه خلف الشتاء، والوصول لا يحتاج سوى ركوب المترو. سقطت العواصم تباعاً، جزء ثان من الربيع في حوض المتوسط ووادي النيل، والبداية على إيقاع “الشعب يريد إسقاط النظام”، و”سقط بس”.
شعوب مجرّبة تستكمل رواية الفيلم “الذي شاهدناه من قبل”. عشرة أعوام مرّت من المائة، سنظلُّ نعدُّ السقوط وراء السقوط، ونجري حوارات فضائية لملء ساعات البث عن الفوارق غير المرئية بين الثورة والانقلاب. قوارب مثقوبة ستبحر باتجاه اليونان، وأفلام تسجيلية لتوثيق الدمع، وأخرى روائيّة لا حقيقة فيها ما دامت الأسماء مستعارة. ستعقد مئات الجلسات العلنيّة لمجلس الأمن لا فائدة منها سوى عدّ الأصابع، وستصدر قرارات تبدو صارمة لن يحفظ أرقامها أحد، و.. مائة شتاء سيأتي، يسقط نظام ويبقى آخر، ويعود الأول من جراب الحاوي!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock