هاري، لكم طول العمر، عمره (92) سنة وزوجته لوكاس عمرها (91) سنة، أي أن تاريخ زواجهما يسبق تاريخ استقلال معظم الدول العربية حيث إنهما متزوجان منذ (70) سنة!
من مفارقات هذا الزواج أنهما كانا يتشاجران يوميا، حيث بلغ عدد مشاجراتهما أكثر من (25) ألف مرة، ومع ذلك لم تنم لوكاس يوما (والكف) الأحمر على خدها، أو دمعة الندم  في عينيها، كما لم تركض لتلملم أغراضها استعدادا للذهاب الى بيت أهلها، فقبل أن يخلدا الى النوم كان هاري يقبلها ويتصالحان وكأن شيئا لم يكن!
بمعدل مشاجرة كل يوم على مدى (70) عاما، ولم تقل له لوكاس يوما: وعقال أبوي، وحزام خالي، وقنوة أخوي، (70) عاما ولم ينم هاري ليلة واحدة على لحم بطنه انتقاما منه، (70) عاما ولم يُسأل هاري: أنت ياهامل مش عارف مع مين بتحكي؟!
25 ألف مشاجرة، لم يكسر فيها كاسة شاي، ولم تستخدم فيها عصا القشاطة، ولم يهرع الجيران للفصل بين هاري ولوكاس قبل أن تفقد إحدى عينيها، 25 ألف مشاجرة لم تتطلب أن يشرب أهل الخير فنجان قهوة واحد لإعادة المياه الى مجاريها، 25 ألف مشاجرة ولوكاس لا تعاني من الضغط أو السكري وما تزال تسقي الحديقة بنفسها بينما في دول شقيقة المرأة تصلي على كرسي من أول مشاجرة!
(بوسة)، وليس خاتم ذهب، أو جاهة، أو تعهد عند القاضي، كانت تعيد المياه إلى مجاريها في 25 ألف مرة، بينما نحن قد يفشل أمين عام الأمم المتحدة في رأب الصدع وتقريب وجهات النظر عند  أوّل مشاجرة!
كم سيدة طلقت لأنها نسيت أن تكوي القميص مع أنها المرة الأولى، وكم سيدة حرمت من تربية أبنائها لأنها نسيت أن تضيف سكرا على الشاي مع أنها صنعت 25 ألف إبريق بكامل الأوصاف وهذا الأول بدون سكر، وكم من سيدة جلست أشهرا في منزل أهلها لحين التوصل الى حل لمشكلتها المعقدة والمستعصية حيث طبخت مقلوبة على باذنجان والوحش يحب المقلوبة على فول!!
أصبح الطلاق على أتفه الأسباب، ولم نعد نملك مخزونا من الصبر لنغفر زلات شركاء العمر الذين نختارهم بمحض إرادتنا ولم نربحهم في جوائز البنوك!
في الأردن ليس فقط ما يؤرقنا هو الشجار والطلاق على أتفه الأسباب، بل أيضا هذا العنف المنتشر في كل مكان سواء مع من تعرفهم أولا تعرفهم!
من الممكن جدا وانت تشتري بطاطا، أن  تأتي عينك في عين أحدهم من غير قصد وأنت لا تعرفه، فيبادرك فورا بالسؤال: في إشي؟! إن لم تكن من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، قد يصبح الشارع مسرحا لمعركة بين البطيخ والبطاطا، وقد تتفاقم الأمور ويقع جرحى وقتلى ويهرع الدرك للسيطرة على المشاجرة الكبيرة التي سببها: في إشي؟!
كم من أعزاء فقدناهم من وراء (في إشي)؟! وكم من عيون وأذان تطايرت هنا وهناك لإجابة (في إشي)؟!
باعتقادي (في إشي) يجعلنا بهذه الوحشية والنرفزة وعدم القدرة على ضبط النفس؛ إنه الجوع والفقر والتهميش يا سادة!

مقالات ذات صلة

انتخابات 2020
43 يوما
#الأردن_ينتخب
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock