أفكار ومواقف

في استلهام المصالحة الرواندية

لم يشأ القرن العشرون أن ينتهي، قبل أن يضعنا أمام واحدة من المذابح الكبيرة، التي تم خلالها استقصاء التطهير العرقي ضد أحد مكونات الشعب الرواندي.
في السادس من نيسان (أبريل) العام 1994، بدأت المذابح في رواندا، متخذة أسلوباً وحشياً عبر جميع أنواع البشاعة والتخويف؛ من القتل الجماعي، والاغتصاب، وسلخ الجلود، وجمع الجماجم، والاختطاف، إلى غيرها من الممارسات التي استقصى فيها متطرفون من قبائل الهوتو التطهير العرقي لقبائل التوتسي.
بعد عشرين عاماً، ما يزال الجرح مفتوحاً في بلد لجأ أو نزح معظم سكانه، خصوصاً في أوج الأحداث التي تواصلت على مدى أكثر من مائة يوم. لكن مع ذلك، تبدو رواندا واحدة من النماذج الساطعة في القدرة على إحلال المصالحة الوطنية بعد ذلك العنف كله، والذي حصد زهاء مليون قتيل.
في العالم العربي، فقدت المجتمعات التي ثارت عليها رياح “الربيع العربي” سلمها الأهلي؛ فعادت إلى هويات فرعية تمترست خلفها، في محاولة للشعور بالانتماء إلى قاعدة مجتمعية، وتحقيق ما تراه أمناً وأماناً لأفرادها.
ورغم أن التغيير السياسي، بصيغته الشكلية، حصل في كثير من تلك الدول، وبعضها مر عليه أكثر من ثلاث سنوات، إلا أن مرحلة المراجعات لم تبدأ بعد، بل على العكس تماما؛ فما يزال الاستقطاب هو سيد الموقف، ما يؤدي بالتالي إلى مزيد من التوتر، وتجذير للهويات الفرعية التي لا بد أن تصطدم مع بعضها بعضا، في النهاية، داخل المجتمع الواحد.
أنموذج المذابح الرواندية، رغم تطرفه ودمويته البشعة، ليس بعيدا عما يحدث في بعض البلدان العربية اليوم؛ فالتمترس خلف الأيديولوجيا، سواء كانت دينية أو سياسية، أو خلف الطائفة والقومية، هو انتماء إلى لون وحيد في المجتمع، ورفض ما سواه. وبالتالي، يصبح الدفاع عن تلك الهوية هدفا، من أجل تأمين الأمان والبقاء. في سورية نرى حربا تدخل فيها “نظرية البقاء” من أوسع الأبواب؛ فهي طائفية من جهة، وأيديولوجية من جهة أخرى. وفي ليبيا، عادت الدولة إلى قبليتها الأولى، ويُطرح اليوم مبدأ الولايات الثلاث التي كانت قائمة بداية القرن الماضي. أما اليمن، والذي يتغلغل فيه تنظيم القاعدة، فالقبلية أيضاً هي المسيطرة إلى جانب الدين المتطرف.
في مصر، نرى أنموذجا آخر؛ فالسلطة تمارس الإقصاء نحو مكون كبير في المجتمع، وتدفعه للجوء إلى العنف كخيار أخير للتشبث بالبقاء.
في جميع الأمثلة العربية، ما عدا تونس، تبدو المصالحة غير منظورة في الزمن القريب. ولعل الأسباب تكمن في الذهنية العربية والإسلامية، الموجودة عند الطرفين المتصارعين، وهي الذهنية التي تقدس مبدأ احتكار الحقيقة، وترى في الرأي المعارض كفراً أو جهلاً أو خيانة.
في اليمن، المواجهات المسلحة مستمرة منذ أكثر من عشرين عاماً، وفي الجزائر الوضع مشابه لذلك، وإن خفت صوت الرصاص. ونستطيع أن نرى الأمر عينه في أفغانستان. فالتأثيرات القائمة ليست من قبل السياسة الإقليمية والعالمية فحسب، ولكن الخراب في الأصل يكمن في التكوين الفكري والنفسي للشخصية العربية والإسلامية التي ما تزال تستقصي منهجاً استرجاعيا، يقدس الفكرة حتى لو كانت بالية، ولا تستند إلى أي نسبة من الحقيقة والموضوعية. لأجل كل ذلك، وبعيداً عن التأثيرات الخارجية، لن يكون في مقدورنا أن ننتظر مصالحة عربية في أي ساحة تشهد نزاعاً اليوم، وسنكون محظوظين جداً إن لم تندرج ساحات أخرى في دوامة العنف.

تعليق واحد

  1. احسنت
    اتفق مع الكاتب و اعتقد انه من القلة التي تكتب بضمير ووعي، مع الاسف الاقلام الماجورة اصبحت هي التي تؤجج الصراعات

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock