أفكار ومواقف

في الأزمة العامة: رتق الجرحِ أم علاج الالتهاب؟

بصدور القرار القضائي بالوقف المؤقت للإضراب أمس تدخل أزمة المعلمين مرحلة جديدة ومسارا مختلفا، لا ينهي الأزمة في عمقها ولا في ما تحمله من تفاعلات واحتقانات، لكنه ينهي ويعالج وجها فاقعا واحدا لهذه الأزمة وهو توقف المعلمين عن التدريس بمدارسهم، والعودة لانتظام العملية التعليمية، تماما كما هو علاج الجرح الملتهب برتقه خارجيا ببضع قطب دون علاج الالتهاب بمضاد حيوي!
على الأغلب ستنتهي بصدور قرار المحكمة الإدارية أزمة الإضراب التزاما بالقرار القضائي، وسيعود المعلمون للغرف الصفية اعتبارا من اليوم رغم عدم رضاهم عما تحقق، لكن الأزمة ستبقى مفتوحة على العديد من الأسئلة والتداعيات وعدم مغادرة مربع الشعور بالمرارة والاحتقان الذي يشاركهم فيه تيار من الرأي العام.
في المقابل؛ وعلى الجانب الحكومي سيبقى السؤال معلقا وضاغطا بشدة حول الفشل بإدارة الأزمة مع المعلمين، ومن ورائهم مع مجتمع محتقن ترزح غالبية شرائحه تحت ضغوط اقتصادية ومعيشية وعدم رضا عن النهج الحكومي بإدارة الشأن العام. ليست القصة، كما أعتقد، مجرد حراك مطلبي حول علاوة، أو على الأقل لم تعد كذلك بعد بدء الإضراب وتفاعل الأزمة، بل هي قصة انفجار قطاعي لاحتقان أوسع يطال مختلف القطاعات والمجتمع، وصل لدى المعلمين للنقطة الحرجة لسوء تقدير حكومي بإدارة الأزمة معهم منذ “خميس الاعتصام” المشهود.
الحكومة تعاملت مع الأزمة وإدارتها بأدوات قد تكون ممكنة ومجدية قبل عقدين أو أكثر، لكن ليس اليوم في ظل وصول الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لمرحلة متقدمة ومستعصية مع انحسار الخيارات التقليدية السابقة، سواء المالية أو الأمنية أو الإدارية الفوقية، وهذا لا ينطبق على الأردن فقط بل على أغلب الدول التي تعيش ظروفا واحتقانات شبيهة. لذلك لم يعد خيارا متاحا إدارة أزمة قطاعية ضاغطة، كما في حالة المعلمين، أو عامة عابرة لقطاعات مختلفة بأدوات القرار الفوقي المنفرد حتى لو وفّر القانون له الصلاحية والمشروعية.
مثل هذه الأزمات القطاعية المتناسلة هي تماما كما أعراض المرض من حرارة وصداع وتعرق لكنها ليست جوهر المرض وفيروسه، إلى هناك يتوجه العلاج والاشتباك كما يقتضي العلم وحسن الإدارة: تشخيص الأزمة وتفكيكها والبحث عن مخارج وحلول لها، وذلك لا يتم بصمّ الآذان والعقول والتمسك بأدوات سابقة لإدارتها كانت مجدية سابقا ليس بحل الأزمة بل بترحيلها قبل ألا يعد ممكنا الترحيل ولا المشاغلة. المفتاح والخيار الأسلم للدولة والمجتمع، أي دولة وأي مجتمع، بإدارة الأزمات هو التوافقات الوطنية والمراجعات المستمرة وتغيير النهج العام الذي يثبت توليده للأزمات والاحتقانات والانهيارات، وفي ذلك لا هيبة رسمية تكسر بل تعزيز للثقة الشعبية بالإدارة العامة وإشراك للناس بالقرار بمُرّه وحُلوه وصولا إلى حسن إدارة مواردهم وأمورهم ومصالحهم.
في الاستقطاب الذي شهده الرأي العام حول مشروعية إضراب المعلمين بين المؤيدين والمتفهمين وبين المعارضين لهذه الأداة الاحتجاجية القاسية، لم يكن السؤال المحوري الذي شكل خلفية المشهد العام والاستقطاب هو سؤال مشروعية العلاوة المطلوبة أم تفهم التبرير الحكومي بعدم قدرة الخزينة العامة على تلبية كامل هذه العلاوة في هذا الظرف الصعب، بل كان السؤال المحوري الذي بقي يصدح في العمق من الأزمة وسيبقى صداه يدور ويعتمل في فضاء الأيام والشهور المقبلة، هو: “هل تكفي 400 أو 500 دينار كراتب للمعلم والموظف العام لتأمين أبسط متطلبات الحياة له ولأسرته والحفاظ على كرامته وإنسانيته؟”.
أزعم أن تأييد إضراب المعلمين من شريحة واسعة في الرأي العام كان احتجاجا وتصويتا على رفض استمرار النهج الحكومي بإدارة الاقتصاد والشأن العام، وهو نهج لا تخطئ العين آثاره القاسية الماثلة أمامنا اليوم، فقرا وغلاء وبطالة وانسحاقا للطبقة الوسطى وتراجعا للخدمات الأساسية التي تمس بمصالح أغلب المواطنين في التعليم والصحة والنقل.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock