آخر الأخبار حياتناحياتنا

في التأمل.. هل يشفي العقل متاعب الجسد؟

كرمل ماضي

تحلق الطائرة حول سماء نيويورك، مستعدة للهبوط في مطار “جون اف كينيدي”، وفي أحد المقاعد، يحدق فاكياب رينبوشيه من النافذة المجاورة لمقعده، مستذكرا ماضيه، مليئا بالحنين والشوق والحماس لمستقبل جديد في آن واحد.

لكن خطته لبدء حياة جديدة في الولايات المتحدة أخذت منعطفا آخر عندما شخص فاكياب بمرض الغرغرينا في قدمه اليمنى، وبعد زيارة ثلاثة أطباء، قام جميعهم بتقديم الحل ذاته: البتر.

لم يكن فاكياب خائفا من فقدان قدمه، لكن صوتا بداخله بقي يناشده، قائلا: “لا تقطع، لا تقطع”، وعلى الرغم من إصرار الأطباء على أن عدم بتر قدمه فورا قد يودي بحياته، إلا أنه ظل يكرر “البتر ليس علاجا”.

تحذير الأطباء كان صحيحا، فبعد إقامته بالمشفى بضعة أشهر، بدأ وضعه يزداد سوءا، وبدأ يفكر بالبتر على الرغم من الصوت الذي كان بداخله يمنعه، فقرر كتابة رسالة الى الدالاي لاما، الزعيم الروحي في التبت، ليعرض عليه حالته ويستشيره إن كان البتر هو الحل.

وكان رد الدالاي لاما بسيطا جدا، لكنه كاف لتغيير حياة فاكياب: “لماذا تبحث عن الشفاء خارج نفسك؟ فإنك تمتلك بداخلكالحكمة التي تشفي، وعندما تشفى، ستعلم العالم كيف يشفي نفسه”.

25 كلمة في اللغة التبتية كانت كل ما يحتاج إليه فاكياب حتى يبدأ مسيرته في العلاج، فبدأ رحلته يداوي نفسه عن طريق الشيء الذي كرس حياته لتعلمه، ألا وهو التأمل.

تجربة فاكياب رينبوشيه “تجربة حية” تنقل مفهوم التأمل ودوره في حياة الفرد، كما لخصها في كتابه “التأمل أنقذ خياتي” (Meditation saved my life).

ما التأمل؟

وللحديث عن التأمل ومعرفة فوائده، حاورت “الغد” خبير التنويم المغناطيسي غورو مانكس، وهو معالج نفسي ومعالج بالطاقة، بدأ مسيرته في تعليم الروحانية بعد رحلة قام بها في نيبال؛ حيث سمع صوتا بداخله يقول له إن مهمته هي مساعدة الآخرين على عيش حياتهم وتخطي مصاعبها.

ويعرف مانكس التأمل بأنه أحد أفرع اليوغا الثمانية، وهو حالة من اليقظة التامة، والوعي بالحاضر أو ما يعرف بـ(الآن) من غير الرجوع الى الماضي أو التفكير بالمستقبل.

ويبين مانكس، أن آلية عمل التأمل بسيطة جدا، تعتمد على التركيز على الشيء الذي يعد أساس كل شيء والرابط بين الحياة والموت: عن طريق التنفس.

التأمل ليس سوى حالة ذهنية من الوعي التام بالحاضر، كما يوضح مانكس، بأن الإنسان بحالته الطبيعية يمارس التأمل، لأنها حاجة فطرية، قد تتمثل بالصلاة في الديانات أو أن تكون حالة من “الشرود” الذهني. لكن في علم الطاقة يوجد تسعة أنواع رئيسية من التأمل، يذكرها مانكس منها:

الوعي بالحاضر، وهو التأمل الذي يركز على التفكير بالحاضر، لا الماضي ولا المستقبل.

التأمل التركيزي هو النوع الثاني، الذي يقوم على التركيز على الحواس الخمس.

ولعل أكثر أنواع التأمل الذي يمارسه الإنسان من دون دراية، هو التأمل الحركي والتأمل الزراعي، ومن أمثلة التأمل الحركي: قيام الشخص باتباع نمط معين أثناء المشي.

يوجد أيضا التأمل بالتركيز على كلمة واحدة، والتأمل التجاوزي، وأيضا يقوم بالتركيز على كلمة واحدة، ولكن الفرق بين النوعين: النوع الأول يقوم المتأمل بالتركيز على كلمة واحدة كلما بدأ يشعر بالتشتت أثناء قيامه بالتأمل، بينما يقوم النوع الثاني على تكرار كلمة معينة حتى يشعر المتأمل بالاسترخاء.

ويشرح مانكس “يعد الاسترخاء من أهم عناصر التأمل، لذا يوجد التأمل الاسترخائي الذي يقوم على معرفة مناطق التوتر في الجسد والعمل على التخلص من التوتر عن طريق التأمل. كما يصبح المتأمل أكثر حبا وعطاء عن طريق تأمل الحب-العطف الذي يدعم هذه القيم”.

وآخر أنواع التأمل الرئيسية هو التأمل التصويري، الذي يعتمد على الاسترخاء عن طريق استخدام الخيال الذي لا يوجد حدود.

ما التأمل الذي قام به فاكياب؟

يطلق على نوعية التأمل الذي قام به فاكياب “تسا لانج”(Tsa lung)، وهي من اللغة التبتية، Tsa تعني القناة وlung تعني الرياح.

يقوم هذا النوع من التأمل على تخيل رياح داخل جسم المتأمل، تبدأ هذه الرياح في القنوات الرئيسية، ثم تمتد الى القنوات الفرعية، وفي رحلتها هذه تقوم بالتخلص من الشوائب والانسدادات في جميع القنوات التي تمر بها.

ووفقا لما ورد في كتاب فاكياب “التأمل أنقذ حياتي”، فإنه لم يعد بحاجة الى تنظيف جرحه بعد بضعة أشهر من بدء بالعلاج.

وبعد ثمانية أشهر من التزامه بالعلاج، أعلن فاكياب لأطبائه أنه أصبح يستطيع المشي لمسافات قصيرة على قدمه اليمنى والوقوف لمدة ساعتين.

بعد مرور عشرة أشهر من بداية علاجه، أصبح يستطيع الوقوف على قدمه والمشي لمسافات أطول مستعينا بجبيرة لتثبيت القدم والكاحل.

في خريف العام 2006 (مرور ثلاثة أعوام منذ اتخاذه قرار العلاج عن طريق التأمل)، استعاد فاكياب قدرته على المشي بشكل كامل، وشفي شفاء كاملا من الغرغرينا، كما أعلن أطباؤه أن فاكياب قد “أعاد إحياء قدمه”!

ومن منظور علم الطاقة والتأمل، هل ما حدث مع فاكياب ممكن؟ هل يمكن علاج الجسد باستخدام العقل؟

يوضح خبير الطاقة مانكس، الإجابة القصيرة هي نعم، فبحسب علم الطاقة، فإن الإنسان ليس سوى جزء من الطبيعة، ويتكون من عناصرها الخمسة: الأرض، المياه، الرياح، الفضاء والنار.

إضافة الى أنه يوجد في جسم الإنسان ما يعرف بـ”التشاكرا”(chakra)، وهي مولدات للطاقة، فيختص كل مولد بعنصر
معين من عناصر الطبيعة (الأرض، الشمس…)، فما يقوم به التأمل العلاجي هو شحن هذه المولدات بالعناصر التي تخصها.

كما أوضح مانكس أن المرض هو حالة من الخروج عن التوازن، وكل ما يقوم به التأمل هو محاولة إرجاع هذا التوازن عن طريق الاتصال بالطبيعة.

ويؤكد مانكس، أن العامل الرئيسي في نجاح فاكياب هو إيمانه بنجاح العملية، فلو قام بها على نحو سليم 100 % لكن دون إيمانه بنجاحها فلم تكن لتنجح.

ما رأي العلم؟

حصل الدكتور بوشيل وعالم الأعصاب زوران جوسيبوفيك على موافقة فاكياب لإجراء دراسة على حالته لاكتشاف السبب
العلمي وراء شفائه، فقاموا بإجراء تصوير بالرنين المغناطيسي على فاكياب بينما قام هو بالتأمل.

وفي التحليل الذي كتبه بوشيل، أوضح أن الرياح التي كان يتصورها رينبوشيه قامت بزيادة تدفق الدم، إضافة الى زيادة نشاط عملية الأيض وزيادة نسبة الأكسجين بالدم. ونتج عن ذلك ارتفاع بالحرارة أدى الى قتل البكتيريا المسببة للغرغرينا وإعانة الجسد على الشفاء.

وما تزال دراسة حالة فاكياب قائمة لاكتشاف السبب العلمي وراء شفائه من مرض لا يوجد له علاج في الطب الحديث، عن طريق ممارسته التأمل.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock