أفكار ومواقف

في التسامح.. العيش معا

يختلف التسامح عن التصالح والمصالحة وعن التعايش والعيش معا. وقد درجت العادة على استخدام مفهوم التسامح في العلاقة بين أهل الأديان، والواقع أن ما يلائم العلاقة بين الناس في تنوعهم واختلافهم الديني والثقافي والاجتماعي هو “العيش معا” بمعنى التفاعل والتقبل المتبادل دون شعور بالخطأ أو المسامحة. ذلك أن التسامح متصل بالعفو والمسامحة بحق المسيء وليس التواصل الاجتماعي أو العيش معا أو التعايش في ظل التنوع والاختلاف، فالتسامح يكون ردا على الإساءة. وأما الاختلاف والتنوع فيدار وينظم بالعيش معا مختلفين ومتنوعين ومتقبلين لبعضنا بعضا على أساس من التقبل والتفاعل بمعنى تبادل المعرفة والمهارات وأساليب الحياة والأفكار والثقافات،..
يبدو التسامح كما في كتاب “التسامح: النظرية والبحث والممارسة” وهو مؤلف جماعي من ترجمة عبير محمد أنور، وصدر عن المركز القومي للترجمة في القاهرة، بمعنى المسامحة والكرم والجود، ويعني في المجال العلمي وخاصة علم النفس التخلي عن الكراهية والانتقام والعفو عن المسيئين، وإحلال المحبة محل الاستياء والغضب، وفي ذلك يتضمن التسامح ثلاثة مكونات: عقلي؛ اتخاذ قرار بعدم الردّ على الإساءة، ووجداني؛ التخلي عن مشاعر الاستياء والكراهية، وسلوكي، معاملة المسيء معاملة حسنة واحترامه. وهكذا يكون التسامح أيضا متعددا، تسامح عقلاني، وتسامح وجداني، وتسامح سلوكي، وبالطبع فإن التسامح يكون زائفا إذا كان سلوكيا فقط. ولا يكون حقيقيا إلا بأن يكون معرفيا ووجدانيا.
تتقدم دراسات التسامح، لكن مانزال نفتقد الفهم الكامل لتأثيرات الدين والثقافة والمواقف الحياتية في فهم الناس للتسامح وخبرتهم به، فبدون دراسة التأثير الديني والثقافي ستكون تصوراتنا العلمية منفصلة عن الخبرة الإنسانية والمعاشة. واستكشف بعض الباحثين إمكانات دمج مفهوم التسامح في إطار الممارسة النفسية المهنية، ومجالات الصحة النفسية المرتبطة بها، وإمكانية أن يفضي التسامح إلى أداء عيادي لمستقبلي الخدمات النفسية.
وكما هو شأن علم النفس نفسه فإن الدراسات النفسية للتسامح بدأت قبل فترة قصيرة، وقد اهتم الباحثون والمنظرون بهذا المفهوم في فترات كثيرة خلال التاريخ القصير لعلم النفس، ولكن أصبح التسامح موضوعا رئيسا في البحث العلمي في السنوات الحديثة فقط.
وبقدر ما يكون غياب التسامح سببا في العنف والكراهية فإن عدم التسامح مع الذات أيضا قد يدفع بالمرء إلى الكراهية والتطرف، فالإنسان عندما لا يسامح نفسه يتحول إلى كاره ومؤذٍ للآخرين، ومن أهم مقاييس ومؤشرات التسامح هي العمليات الذاتية التي يجريها الإنسان ويلاحظها في نفسه وسلوكه، فاجترار الإساءة بتذكرها المتواصل والعمل على الردّ والانتقام، ويمكن أن يعرف الإنسان نفسه إن كان متسامحا بردة فعله شعوريا وسلوكيا تجاه الإساءة، وفي ذلك فإن أفضل مستوى للتسامح هو المستوى المنخفض للغضب والانفعال والعدائية تجاه الإساءة. ويعتبر الصفح عن المسيء أو اعتذار المسيء وطلبه الصفح من مقاييس الصحة النفسية، فالعدائية والكراهية تعكس أزمة نفسية تحتاج إلى علاج وأن يتخلص منها الإنسان سواء بتدريب نفسه أو حتى باللجوء إلى اختصاصي.
وبالطبع فإن المفاهيم التي لها تاريخ علمي قصير تكون لها شبكات معرفية ضئيلة، ولا يمكن الحديث عن مقاييس وتجارب علمية. لكن التراث الديني في التسامح راسخ وعميق، وإن كانت أيضا أعمال الحروب والتعصب والكراهية ارتبطت بالتحريض الديني، بمعنى أن الدين لا يمنح التسامح أو الكراهية على نحو تلقائي، لكن القادة الدينيين ينشئون خطابا متماسكا مستمدا من الدين يلائم التوقعات والاحتياجات المسبقة، ولذلك فإنه برغم قدرة الخطاب الديني على ترسيخ التسامح والمحبة والتعاون في المجتمعات فإن الاعتماد على الدين لدعم السياسات والتشريعات والاتجاهات يظل مغامرة.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock