آخر الأخبارالغد الاردني

في التعليم الوجاهي اثنتا عشرة مغالطة

ذوقان عبيدات*

في ثقافة الشتم وسهولته من شتم الحكومة بوزرائها: الإعلام والتعليم والصحة، وشتم أصحاب الرأي والمفكرين ، إلى شتم التعليم عن بعد، والدعوة إلى القرب. ومع تعدد دوافع هذه الفئات:
فئة تريد التعليم الوجاهي حرصا على مستقبل أبنائها، ولم أر ذلك إلا غطاء للفئتين التاليتين:

  • فئة تريد التعليم الوجاهي للتخلص من جلوس أبنائها في المنزل، فأسسوا حركات وحملات.
  • وفئة تريد فتح التعليم كأساس لفتح الصلاة في المساجد وركبوا موجة التعليم . وربما كان هناك فئات بدوافع أخرى.
    إن تحليل خطاب هذه الفئات يكشف عن استخدامها لمغالطات أساسية غير تلك الشائعة في علم المنطق، وإن كانت مرتبطة بها :
    وقبل التحدث عن المغالطات، فإنني أبرئ نفسي من معاداة التعليم الوجاهي، لأنني ما زلت أعتقد أنه التعليم الأفضل حاليا وربما في المستقبل القريب مثل السنوات الخمسة المقبلة ! ولذلك أقول : حين تسمح ظروف الجائحة بفتح المدارس وغيرها أنا مع هذا التوجه.
    وعودة إلى المغالطات :
    المغالطة الأولى :
    التعليم عن بعد لا يناسب طبيعتنا، فنحن اعتدنا على منزل خال من الصباح حتى الثانية ظهرا، وهذا يناسب طبيعة المنزل الأردني قبل خمسين عاما حين كان الكل يعمل من المنزل. وإن ما تغير من طبيعة المنزل في الخمسين سنة الماضية قد رفضناه. وحين خرجت المرأة إلى العمل، قالوا لنا : المرأة للمنزل فقط. ولكن نجحت المرأة في الخروج، وقبلنا ذلك. وسنقبل أي تغيرات مقبلة، حتى لو عاد الرجل إلى المنزل. وفي كل مرة كان المنزل يتكيف مع تغيرات لا طبيعية، فكل شيء يتغير! وهذا ليس اكتشافا!!
    المغالطة الثانية :
    التعليم عن بعد أثر سلبا في الأطفال، وزادت شكواهم من البقاء في البيت. والحقيقة إن الشكوى لم تكن من الأطفال بل من الكبار الذين ارتبكوا من التغيرات الجديدة. أما الأطفال فقد سعدوا بعدم الصحو مبكرا كل يوم، وصاروا أكثر استمتاعا بوقتهم، وأكثر قدرة على التحدث مع أصدقائهم بالوسائل المتاحة. وربما سنلحظ أنهم تكيفوا مع البقاء في المنزل، وأداروا ما يمتلكون من وقت بطريقة إيجابية مثل العمل في حدائقهم أو صيانة منازلهم أو في خلق أعمال أخرى.
    المغالطة الثالثة :
    قالوا إن التعليم عن بعد زاد من العنف الأسري، وصار الأب عصبيا، يعنف أبناءه وغير أبنائه. وهذا يعني أننا نريد فتح المدارس لحماية الطلبة من أسرهم، باعتبار المدرسة آمنة وخالية من عنف الأنظمة وعنف المناهج وعنف المعلمين وعنف الامتحانات وعنف الزملاء …إلخ إضافة لذلك فهم يتهمون الأب بقلة الحيلة وبعدم قدرته على إقامة علاقات نوعية مع أبنائه، نعم إن هذه المغالطة تصنف الأب من فئة المعادين لأبنائه، اجتهدوا وقدموا إحصاءات تشير إلى زيادة عدوانية الأب، وبدلا من اهتمامهم بتوعية الآباء طالبوا بإنقاذ الأبناء من آبائهم!
    المغالطة الرابعة:
    أفقد التعليم عن بعد الأطفال من الاقتداء بمعلميهم، وأن الطالب عادة يتخذ قدوة له من المعلمين!! ومع تقديرنا للمعلمين فإن المعلم ربما كان قدوة حين كان أبرز شخصية في القرية: يقرأ ويكتب ويحفظ القرآن دون سائر االناس!! لو سألنا الطلبة عن قدوتهم هذه الأيام لاختاروا، قدوة رياضية أو فنية أو عائلية أو إعلامية أو شاعرا أو حتى عامل وطن. فالمعلم القدوة مطلوب، ولكنه لا ينافس القدوات الأخرى!
    وإذا كان الاقتداء أسلوبا مطلوبا فإن عليه ألا يقضي على استقلال الطالب ووعيه بذاته، وعليه أن يحميه من الانجرار وراء قدوات سلبية!! وبالمناسبة : التربية السليمة تشجع الاستقلال لا الاقتداء!!
    المغالطة الخامسة:
    وهي مغالطة تربوية بديهية يجب أن لا يقع بها أحد فكيف بأستاذ جامعي!! فهو يقول: لا يستطيع معلم واحد أن يعلم عشرات الآلاف من الأطفال بأسلوب واحد ومادة واحدة ووقت واحد، فما ينجح مع طالب لا ينجح مع آخر!! وما ينجح في بيئة قد لا ينجح في بيئة أخرى !! فالمغالطة تقول : لا يجوز أن نعلم الجميع بالطريقة نفسها!!
    إن الرد على هذه المغالطة هو: أن التعليم الوجاهي في الجامعة والمدرسة هو تعليم موحد يقدمه المعلم للجميع، فهذا العيب ليس من عيوب التعليم عن بعد بل من عيوب التعليم بشكل عام. وهذه المغالطة قد ترتبط بالمغالطة التالية.
    المغالطة السادسة:
    التعليم عن بعد يخلق تمييزا واضحا بين الطلبة الذين يملكون الأدوات، والفقراء الذين لا يملكونها، ناسين أن التمييز هو من سمات التعليم عن قرب : حيث يتمتع طلبة المدارس الخاصة ببيئة مدرسية متميزة، وبمعلمين متميزين، وبعلاقات متميزة، وبأساليب تعامل محترمة جدا. وهذا كله ليس متوافرا في معظم المدارس الأخرى، حيث لا معلمين ولا بيئة ولا احترام ولا تقدير ولا تعلم!!
    إن التمييز الناتج عن نقص الأدوات يمكن معالجته بسهولة ! لكن كيف تعالج غياب المعلم الجيد في بيئات مدرسية عديدة ؟
    المغالطة السابعة :
    وهي مرتبطة بالمغالطة السادسة، وهي أن معلم التعليم عن بعد ليس معروفا للطلبة. فكيف يتعلمون من معلم لا يعرفهم ولا يعرفونه ؟ والجواب عن ذلك إن ميزة التعليم عن بعد هو أنه يقضي على نقص المعلمين المؤهلين، ويوفر أفضل المعلمين لجميع الطلبة. فليس هناك محظوظون وغير محظوظين! إن معلما جيدا واحدا يقضي على نقص المعلمين المؤهلين.
    المغالطة الثامنة :
    فقد الطلبة علاقاتهم وتواصلهم مع الآخرين، كذلك فإن التواصل عبر الإنترنت خطر!!
    تهمل دور وسائل الاتصال الافتراضي التي فتحت العالم أمام الأطفال وصار بإمكان أي طفل أو كبير أن يصادق ويتعرف ويقبل ويرفض بل ويتزوج عبر الإنترنت. وقد يقال في ذلك خطورة! وهذا صحيح، فالعلاقات كلها عبر التاريخ تتعرض لانتهاكات وتنمرات وارتفاع وهبوط. فالعصابات تتشكل عبر الحياة الحقيقية وعبر الافتراضية، وبإمكان أي طفل أن يقيم علاقات افتراضية ويطورها لتكون حقيقة، ومن المهم أن نعرف : أن لكل عصر أدواته :
    لقد كان الاتصال عبر الحمام الزاجل، ثم عبر الرسائل البريدية المكتوبة ، ثم عبر الهاتف ثم عبر الانترنت، وعبر كل هذه الأدوات كان يتم تشويش وتضليل وانتهاك وتهكير !! المشكلة في أن الخداع والانتهاك موجود عبر كل العصور وعبر كل الأدوات.
    المغالطة التاسعة :
    يقولون إن التعليم عن بعد لا يعلم الطلبة، ثم يطالبون بتعلم المعرفة، وهي ضعيفة في الانترنت، ولذلك يجب العودة إلى المصادر الأساسية: المعلم والكتاب!!
    إن هذه المغالطة سهلة الدحض، فمصادر المعرفة متنوعة والحصول عليها متاح، ولعلهم سمعوا بأن أحدا لم يعد يهتم بالمعارف الهرمية التي تننقل عبر الأجيال. فالطلبة ينتجون معارفهم الخاصة وفق حاجاتهم، وأن المهارة المطلوبة لهم :هي كيف يتخلصون من المعارف التي لا معنى لها عندهم.
    المغالطة العاشرة:
    إن التعلم عن بعد وغيره من وسائل التواصل قد أضعف العلاقات بين البشر ولم يعد أحد يعرف أحدا. وهذا صحيح ، ولكن لكل عصر علاقاته.
    فقبل خمسين عاما أو أكثر، كان هناك مضافة لكل عائلة، يجتمعون فيها يوميا ويسهرون حتى الفجر وانتهت المضافة، وانتهت المنازل المستقلة، وانتشر نظام الشقق وتغيرت العلاقات. وصار سكان البناية الواحدة غرباء عن بعضهم ، إذن هذا تطور طبيعي، ولكل عصر أدواته.
    وكما تحسر كثيرون على نهاية المضافة، فإنهم سيتحسرون على نهاية مفهوم الجار والجوار، بل وبدا ذلك فعلا.
    المغالطة الحادية عشرة:
    وهنا يقولون: الماضي كان عظيما، فكل ما به خير! إن هذه المغالطة تتناقل عبر الأجيال، فكل جيل يعتقد أن حياة عصره كانت ذهبية، ويتحسر على انقضائها:
    فالأطفال كانوا يشبعون حاجتهم إلى الحركة حيث يلعبون معظم النهار وبعض الليل خارج منازلهم: في الشوارع والحارات والساحات والبرك.
    ومع ظهور السيارات وتزايدها، تغير الحال وصار أن الطفل أكثر أهمية من حاجته للحركة، فعاد الطفل إلى البيت، وهكذا في عصر التغيرات السريعة سنلحظ تغيرات سريعة في الأدوات والقيم والأساليب وأنماط الحياة. هناك من يتحسر على التعليم في الأربعينيات والخمسينيات حيث كان المعلم سفاحا: يعاقب ويرعب ويرهب.
    وهناك من يتحسر دائما على ما فات، ولعل الصارخين من أجل التعلم الوجاهي سيصرخون يوما على نمط جديد من التفكير!
    المغالطة الثانية عشرة:
    الغش نتج عن التعلم عن بعد، هذه المغالطة تنفي وجود الغش قبل التعليم عن بعد وبعده، في المدرسة والشارع والسوق وحتى في البيت، وقبل آلاف السنين قيل لنا: من غشنا فليس منا !! فكيف نعد الغش من أشهر منتجات التعليم عن بعد؟ وهل من داع لأذكر مسلمة واضحة تقول : لو كان التعليم الوجاهي كما تقولون لقضى على الغش، ولتعلم أطفالنا كيف يعتمدون على أنفسهم ويحترمون تعهداتهم، ويحلون مشكلاتهم بأنفسهم!!
    الغش ظاهرة اجتماعية، وفي التعليم الغش ظاهرة ارتبطت بسلبيات التعليم الوجاهي: الواجبات البيتية، الامتحانات. ولو أوجد التعليم نموذجا لواجبات بيتية مفرحة، وامتحانات معقولة لما لجأوا إلى الغش.
    إن نظام الامتحانات وما أحطناه فيه من هيبة وصلت إلى حد إدخال المدرعات إلى ساحات المدارس ضبطا للغش!! ولو تقدمنا في تعليمنا، ولو صدقنا ما قالوه : التقويم هو عملية تعلم لنجحنا في محاربة الغش. وبالمناسبة هناك مدارس لا يلجأ طلبتها إلى الغش لأنها علمتهم المسؤولية والثقة بالذات والقرار المستقل!!
    الغش إذن أحد منتجاتكم لا منتجات التعلم عن بعد!
    وبعيدا عن هذه المغالطات، أرجو أن أوضح : إن لكل عصر أدواته وقيمه، وهذه مسلمة. وإن العالم في تغير سريع، وهذه مسلمة ثانية، وإن من الطبيعي أن يعشق الإنسان قيمه وعصره، وهذه مسلمة ثالثة، فالمطلوب أن نعي أن التغير المستقبلي مقبل، وأن علينا أن نستعد له. وبدلا من التحسر على القديم علينا أن نخطط للجديد ونقلل من أضراره!!
    فعلاقتنا مع التعليم يجب أن تتغير مع ما يحدث من تغيرات . أما أن نجلس ونشتم ونهاجم بل ونستعين بالدعاء ضد أنصار الجديد، فهذا مؤشر إلى الكسل والعادة. وما يسمى بالحرس القديم.
    التعليم عن بعد لغة المستقبل، وقد يكون بعيدا، ولكن إدماج التعليم عن بعد مع التعليم الوجاهي يبدو ملحا. فلماذا الصراخ والسباب؟
    ما سمعته في ندوة أقيمت في4/2/ 2021 كان منتدوها كلهم من نمط واحد وفكر واحد يشير إلى أن حداثيين أيضا يتمسكون بالماضي ويصرخون ويهتفون من أجله:
    بالروح بالدم نفديك يا وجاهي!!
    لم أسمع أحدا من المنتدين طالب بإصلاح التعليم فالكل يريد التوقف عند التعليم في لحظة معينة!! *خبير تربوي
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock