;
أفكار ومواقف

في “الثقافة الدينية”

مما لا شك فيه أن مسألة “الثقافة الدينية”، متمثلة في كيفية تعاطي المسلمين مع الإسلام، ستظل على علاقة مباشرة بقضايا التقدم والمعاصرة والتطور الحضاري في العالم العربي، سواء لأن الإسلام مكوّن ثقافي رئيس في العالم العربي، أو بسبب الدور الحاضر للحركات السياسية التي تسمي نفسها “إسلامية”، ووجود جماهير عريضة متدينة، تدعمها.
هذا معناه أن تطوير عامل “الثقافة الدينية”، باتجاه مغادرة الأفكار الماضوية (وقوامها تصوّر أن تطبيق الإسلام معناه تقليد نموذج تاريخي للمسلمين الأوائل)، ليس مطلباً معزولاً عن مجمل الحاجات الملحة لصياغة مشروع تقدم عربي متكامل ومتمايز وقابل للتطبيق، هذا فضلاً عن أنه ليس مطلباً وحيداً ولا يمكن من خلاله وحده إنجاز ذلك التقدم.
لكن دنيا العرب لم تفتقر يوماً، منذ قيام الدولة العربية المعاصرة، إلى مشاريع تستهدف إنجاز التقدم بشكل أو بآخر، ولو نظرياً، انطلاقاً من السعي إلى تغيير الشعور بـ”الهزيمة الشاملة” لدى العرب، في المستويات المادية والمعنوية، وإحساسهم بالتخلف الحضاري عن معظم أمم الأرض، إلى حالة تتوفر فيها أسباب التقدم المادية، وتنعكس معنويا على شكل شعور حقيقي بالاعتزاز بالعروبة.
هل ثمة من يختلف على أن قوام ذلك التقدم يتمثل في الخلاص من حالة التخلف التي يعيشها العرب على مستويي: 1 – الروابط والعلاقات فيما بينهم؛ 2 – منهجية التفكير. حتى إذا حُرّم التخلف، أمكن الحديث عن استثمار الكفاءات لتحقيق “تطوير” صناعي وزراعي يضمن استقلال الإرادة والقرار العربيين، ثم تطوير الكفاءات غير المطوّرة والاهتمام بإدامتها باعتبارها ما يوفر الأساس المادي للتقدم الشامل؟
قبل “الربيع العربي”، ظل من الناس والمفكرين من يحتجّ بأن التخلص من الاستبداد أولى من تطوير الروابط الاجتماعية (لصالح التخلص من العلاقات العصوبية)، وتطوير منهجية التفكير (لصالح إحلال التساؤل محل تكرار المحفوظات)، اعتقاداً بأن زوال الاستبداد شرط لتحقيق ذلك التطوير. لكنّ “الربيع العربي” أثبت أن التخلص من الاستبداد قبل التخلص من حالة التخلف القائمة، سيعني أحد أمرين: إما وضع التخلف في السلطة محل الاستبداد، أو الإتيان باستبداد جديد تحت اسم مختلف!
أليس من مظاهر إحلال التخلف محل الاستبداد، هذا الظهور غير المشرّف لحركات تدّعي تمثيل الإسلام والانتساب إليه، والسعي إلى إقامة “دولة إسلامية”، تمثل الإسلام وتدافع عنه، وتتمثل دول المسلمين القوية الأولى التي كانت حاضرة في عالمها، ولها مكانتها تحت الشمس، سبيلها إلى ذلك استدعاء نموذج تاريخي متخيّل (أو حتى حقيقي!) وتقليده؟! حين يحل التخلف الفكري محل الاستبداد، فإننا ننتقل من أزمة إلى أخرى في المضمار الحضاري، لكننا لا نتجاوز أزمتنا الحضارية أبداً. إننا ندور في حلقة مغلقة من التخلف الحضاري، بين الاستبداد والماضوية والاستبداد البديل!
مسألة “الثقافة الدينية”، إذن، التي يسميها بعضنا “الإصلاح الديني”، هي واحدة من قضايا تطوير منهجية التفكير في العالم العربي، وليست كل شيء. لكنها، وبسبب من الحضور الأساسي للإسلام في الثقافة العربية، ووجود الجمهور العريض المتدين من الناس، تبدو قضية ذات أولوية. لكن، ما دامت هذه المسألة عامة لكونها تمسّ الجانب الحضاري للعرب جميعهم، فسيكون ضرورياً إعادة النظر في ما هو مسموح لبعض الناس، أفراداً وجماعات، من استعمال لاسم “الإسلام”، وكأنه خاص بهم وحدهم، سواء من خلال إلصاق اسم “الإسلام” بأسماء أحزابهم وحركاتهم وجماعاتهم السياسية، أو حتى إلصاقه باسم استثماراتهم التجارية؛ من مدارس ومستشفيات وبنوك وأصناف طعام! إذ كيف يمكننا تطوير منهجية التفكير بالإسلام باعتبارها مسألة ثقافية عامة، من الماضوية إلى المعاصرة، بينما يُسمح لبعضنا أن يدّعي أمام عامتنا أنه هو من يمثل الإسلام ويحق له استعمال اسمه في معاملاته؟!

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock