أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (1)..!

حالة إنكار
مع أن خطر الفيروس القاتل حقيقي جداً، يبدو أن الناس (والحكومات) في كل مكان تقريباً يعيشون حالة إنكار. حتى الآن، يحاول الناس تصور أن ما يجري هو فيلم خيال علمي، يشاهدونه وليسوا طرفاً فيه. ربما يكون دفعاً غريزياً ضد الخوف، لكنه يجعل الكثيرين يفرطون في عدم التصديق إلا إذا ارتطموا بواقعية الخطر. ولذلك يتوسل المسؤولون من الناس الالتزام بالتعليمات، ونرى الكثير من المخالفين.

  • * *
    الكثير من أحصنة طروادة
    كل شخص يأتي إلى البيت من الخارج يمكن أن ينسل معه الفيروس؛ كل زائر أو أحد يجلب شيئاً إلى باب المنزل جالب مرض محتمل؛ كل شيء يدخل البيت مُهرِّب ممكِن للعدوى: أكياس التسوق؛ الملابس والأحذية؛ النقود؛ قوارير الماء؛ جرة الغاز وربطة الخبز، وكل شيء. كل شخص أو شيء يمكن أن يكون “حصان طروادة”، تختبئ في بطنه عصابة فيروسات مثل أخيل ومحاربيه. والعدو كامن في مقابض الأبواب، ولوحة مفاتيح الحاسوب، وزر المصعد، والنقود، وكل شيء. كل احتياطات ومطهرات العالَم ضد المتسلل المجهري الشبحي لا تجلب الطمأنينة.
  • * *
    متسللون آخرون
    في اليوم الأول لحظر التجول، بل في الساعات الأولى بعد انطلاق صفارات الإنذار المخيفة، خرج متسللون في حيِّنا للتنقل بين المنازل. كان هؤلاء شباناً منفردين -ربما طلاب جامعة- يهرولون وهم يتلفتون حولهم وقد وضعوا غطاء على الرأس، وكأن ذلك يجعلهم غير مرئيين، مثل النعامة والرمل. وفي الأيام التالية، تشجع آخرون ولم يعودوا يغطون رؤوسهم أو يتلفتون كثيراً. وبعد المشاة، تزايدت السيارات التي تتحرك في الحي مثل أي يوم جمعة عادي. هل حيُّنا ناءٍ إلى هذا الحد، وسط منطقة حية، قريباً من البلدية والشارع الرئيسي، أم أنها “التصاريح”؟!
  • * *
    أصحاب التصاريح
    في البداية اعتقدنا، نحن الصحفيين، أننا من أصحاب التصاريح. بطاقاتنا الصحفية ستمكننا من التنقل. قرأنا أن إيطاليا تسمح للصيادلة وباعة الغذاء -والصحفيين- بالتنقل لأن الإعلام جزء مركزي من الحرب ضد الفيروس. ثم تبين أن البطاقات لا تنفع؛ صدرت تصاريح لعدد صغير جداً من كل صحيفة. لا بأس.
    لكن أصحاب التصاريح سرعان ما تكاثروا كالفطر: كل الأطباء، والممرضين، وأصحاب المهن الطبية المساعدة، الذين لا بد أن يكونوا بالآلاف أو بعشرات الآلاف؛ بعض المرضى، والذين ينقلون المرضى؛ جماعة الأمانة والبلديات؛ جماعة الأجهزة الرسمية؛ وبعدهم عمال الأفران؛ سواقو الشاحنات ومركبات التوزيع؛ موزعو الغاز، والخبز والماء؛ وبعدهم غالباً أصحاب وعمال الأسواق التموينية والبقالات والخضار، ثم المصرح لهم بالتوزيع على المنازل، والبقية تأتي.
    سوف تخضع قرارات تناوب الحظر والإفراج حتماً لقاعدة التجربة والخطأ والأرباح والخسائر. نحن بعد كل شيء مع خبرة غير مسبوقة.
  • * *
    انتهاك “مشروع” للحظر
    عندما جاءت أول سيارة غاز إلى الحي، تقاطر عدد من الرجال، كلٌّ يحمل جرَّته، وتجمهروا حولها. اشتبهتُ في أن عامل الغاز رفض حمل الجرار إلى المنازل، لكنني رأيته خارجاً بواحدة من إحدى العمارات. ربما كان الرجال يخشون أن يأخذ الآخر جرارهم قبل أن يأتي دورهم -أم أنهم تطوعوا بحمل الجرار لأنها فرصة لتتجول “المشروع” في حظر التجول؟!
  • * *
    ثلاثاء الخبز
    في أول يوم لتوزيع الخبز، مرت سيارات من شارعنا الفرعي بمعدل سيارة كل دقيقتين إلى خمس -حرفياً. من هؤلاء؟ كلهم أطباء وممرضون و”مصرّحون”؟ أمام دكان قريب مغلق، تجمع نحو 15 شخصاً متقاربين وقتاً طويلاً. البعض يغادرون وآخرون يأتون. ومر أولاد وبنات يركضون؛ ورجل كهل وزوجته يتمشون؛ وامرأة وابناها كأنهم يتنزهون؛ وعامل وطن يحمل ربطتي خبز؛ وشخص يجر عربة عليها غالون ماء؛ وثلاث فتيات أنيقات. العشرات –حرفياً. أين يذهبون؟ أين الأمن؟ وحتى عندما سُمعت صفارات سيارة شرطة مقتربة، لم يهرب أحد! ما الذي يجري ولا نعرفه؟ هل نحن الوحيدون الملتزمون -أو الخائفون؟
    مر كثيرون يحملون خبزاً، وانتهى “يوم الخبز” ولم يحضر إلى حيّنا المنسيّ. وفي اليوم التالي، يوم البقالات والصيدليات في الأحياء، مر الناس بأحمال منه. لن تأتي أيضاً، وعلينا أن نقرر إذا كان أحدنا سيكسر الحجر المنزلي التطوعي ويخرج لجلب الخبز من الفرن -و”يختلط”، أم نجرب في الخبز المنزلي.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock