أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (10)..!

لم تهدأ الجبهات!
منذ أكثر من شهر الآن، دعا الأمين العام للأمم المتحدة المتحاربين في العالم إلى وضع السلاح – في استراحة محارب على الأقل- مع هجوم “كورونا”. وقيل إن مجموعات مسلحة ومتحاربين في دول كالفلبين والكاميرون واليمن وكولومبيا وغيرها، أعلنوا استعدادهم لوقف الأعمال القتالية، لكن شيئاً من ذلك لم يحدث، ببساطة.
في إقليمنا، يشن الكيان الصهيوني المثخن بالوباء غاراته على سورية كالمعتاد. ولا تكف القوات التركية الغازية عن هجماتها في شمال البلد أيضاً. ولم تتوقف المعارك في ليبيا بين الفريقَين المتصارعين – ولم ينشغل المتدخلون بهجوم “كورونا” على بلدانهم عن تأجيح أوار الصراع هناك. ولم تصمت المدافع في اليمن المدمّر ولم يأخذ أحد استراحة محارب أو يُراجع فكرة الحياة أمام الوباء، فيجد أن الدنيا لا تستحق حقاً هذا العناء. من المنطقي أن الذي يألف الموت ويحترف صناعته لن يرى فرقاً في موت بـ”كورونا” أو بغيره، “تعددت الأسباب والموتُ واحدُ”.
إذا لم تهدأ الجبهات الآن ولم يشعر الناس بمشترك ما يخدّر العداء أمام الوباء، فهي أخبار سيئة للذين استشرفوا عالَماً أكثر تصالحاً وبشرية أكثر تأملاً بعد “كورونا”. لم تذهب أسباب الصراعات الأزلية ولن تذهب إلى أي مكان. و”كورونا” جلب معه أسباباً جديدة للصراع.

  • * *
    أميركا أم الصين؟
    السؤال غير الجديد، الذي أصبح أكثر رواجاً فقط في أوقات كورونا: مَن سيحكمُ العالَم، أميركا أم الصين؟ والصلة الجديدة هي أن الوباء ظهر في الصين بالتحديد، وتضررت منه أميركا كثيراً بالتحديد وأصبح ذلك سبباً للسجال الجديد. الكل يراقب أداء الدولتين في مواجهة الجائحة، سواء من حيث اللوجستيات والنهج داخلياً، أو إدارة العلاقات العامة خارجياً.
    دافع محلل مصري مقيم في أميركا، استضافته محطة على “سكايب”، عن ترامب وأميركا وكأنه من نسل كولومبوس. اتهم الصين بإخفاء المعلومات عن الوباء وبخداع أميركا والآخرين. وقال إن بكين أوقفت التفشي بالاستبداد – ما يعني أن أميركا لم تحقق نجاحاً مماثلاً بسبب الديمقراطية. وتوقع أن الصين لن تكون أبداً نظيراً لأميركا في أي شيء.
    لو سُئلت، الصين أم أميركا، لقلتُ: الصين، مغمض العينين. والصلة أكبر من الوباء. لم يُعرف في تاريخنا عن قدوم الصين إلينا بنية الاستعمار والاستعباد. وليس معروفاً أن الصين ترسل جيشها لتجتاح الكوكب بالطول والعرض ويحل حيث تحل الخراب. وإذا كان نظامها السياسي غير تعددي، فقد صنع لشعبه أيضاً تقدماً وصناعة واقتصاداً وهيبة، وخلصه من براثن الفقر. وإذا صدر الصينيون “كورونا”، فإنهم يساعدون الآخرين شيئاً على الأقل، بالمشورة والمعدات، بغض النظر عما إذا كان المبعث إنسانية صافية أم “دبلوماسية أقنعة”. بل إن دولاً صغيرة اكتشفت في نفسها، بسبب “الوباء الصيني”، إمكانيات كامنة وأعادت اكتشاف كبريائها الوطني.
    قد يشكر الناس في مناطقنا الوباء إذا ساعد في أفول أميركا – إن حدث. وإذا جاءتنا الصين على طريقة “الحزام والطريق” ولم يركبها شيطان الكِبر، فحبذا.
  • * *
    العرب “مختارون”؟
    ليست الفكرة جديدة. العرب يؤمنون بأنهم “مختارون” بلا لُبس. كيف لا وفيهم نزلت الرسالات؟ وثمة آخرون ينازعونهم الامتياز. “التطهيريون” المهاجرون الذين استعمروا أميركا في البدايات وأكلتهم الأوبئة والمجاعات، اعتقدوا أنهم “مختارون” –حتى بالعناء- ومكلّفون بنشر الكلمة. وما يزال نسلهم “مختارون” لقيادة العالم وازدراء كل الآخرين. واليهود يرون أنهم “مختارون” فوق البشرية والكائنات، ولذلك كل ما يفعلون مبرر.
    ثمة سؤال الآن عن السر في أن عدد الإصابات والوفيات من “كورونا” في وطن العرب أقل بطريقة ملحوظة من الآخرين –حتى في الجوار الإقليمي غير العربي. وقد استبعدت الإصابات في إيران وتركيا، الجارتين المسلمتين، الإجابة بأن المسلمين لا يُصابون كغيرهم لأنهم يتوضأون في اليوم خمس مرات.
    اقترح أحد أن الفقر واللعب في التراب في الحارات الشعبية جعل الأجسام أكثر مقاومة للأمراض باعتيادها الميكروبات. والبعض استأنسوا بنظرية العرق الآري، وبحثوا عن جينات عربية مضادة لـ”كورونا” بالذات. وقال شيخ إن الله عاقب الصينيين لأنهم يمنعون المسلمات من تغطية وجوههن، فـ”خمرهم” بالكمامات ليعرفوا أنه حق. (سجل الشيخ نفسه فحصاً إيجابياً بكورونا لاحقاً). وتحدث آخرون عن شيء أكثر دنيوية: أن العرب كانوا استباقيين في التحوط فقط. وما يزال السؤال.
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock