أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (12)..!

العمال!
لم يكُن معظم العُمال يحب أن تصادف مناسبة “عيد العمال” يوم الجمعة. كان ذلك يحرمهم عطلة إضافية -الشيء الوحيد الذي يكسبونه من “العيد”. لكن الأمور الآن سيّان حيث “التعطيل” الجبري مع “كورونا” هو القاعدة. بل يردد العمال هذه المرة ما يردده البائسون من كل نوع في الأعياد: “عيد بأي حالٍ عدتَ يا عيدُ”!
الوباء أنه لا يستهدف الأرواح فقط، وإنما يستهدف أيضاً سبل عيش الأحياء. وفي لحظة متطرفة، قد تصبح الحياة والموت سيّان للذي ضاقت عليه سبل العيش حتى يفقد الشعور بالحياة. ولا أحد في منجى من التداعيات. ثمة العمال والحِرفيون الذين يعيشون بأجورهم يوماً بيوم ولا يعملون ولا يكسبون. وثمة الذين سُرحوا من أعمالهم أو مُنحوا إجازات مفتوحة بلا أجر. وثمة الذين خفضت أجورهم وهم يعملون. وهناك الذين رُبما يُسرّحون عندما تشرع المؤسسات في جرد الخسائر وقصقصة كوادرها، وتلك التي لن تقوى على الصمود وتقرر الإغلاق جملة وتفصيلاً.
في “عيد” العمال هذا، بعدت المسافة أكثر بين الاسم والمسمّى. لم يعد نضال العمال التاريخي مع ضنك العيش محلياً أو نظرياً. لقد وحد “كورونا” العمال في كل العالم، عملياً، أكثر مما فعلت “يا عمال العالم اتحدوا” في “البيان الشيوعي”.

  • * *
    حظر بيئي؟
    يقول البيئيون أن الإغلاقات بهذا المستوى العالمي، والتي أوقفت مكائن المصانع ومحركات السيارات، جعلت أمَّنا الأرض تتنفس. ورأينا سماء ووهان السديمية عادة بسبب دخان المداخن والعوادم، وقد صفت مع الحظر. بل يقال إن الإغلاق أغلق ثقب الأوزون في القطب الشمالي.
    الجدل البيئي غير المتوقف يتصل كثيراً بجدل الإغلاق لحفظ الحياة من “كورونا”، وكلفة الإغلاق على الحياة. يقول علماء البيئة والمناخ أن التصنيع الكثيف ووقود الطاقة وأساليب الزراعة الجديدة تسخِّن الأرض ببطء وثبات بطريقة تهدد حياة الكائنات مستقبلاً. ويقول معسكر الصناعيين والتجار المتحكمين في الساسة إن التغيير الجذري لكل ذلك غير ممكن ولا عملي.
    إذا كانت الإغلاقات قد منحت الأرض، أمَّنا جميعاً، فرصة نادرة للتنفس حقاً، لماذا لا تتفق البشرية على إغلاق عالمي، مثلما يحدث الآن، ليوم في نهاية كل أسبوع مثلاً؟ لماذا لا تتوقف المصانع وحركة السيارات في كل أنحاء الأرض 24 ساعة لتطهير الهواء الذي تنتفسه ونورثه للأبناء؟
    لن يكون توقف العالم عن “التدخين” 48 يوماً في السنة مقتلاً للاقتصاد، وسوف يُضاف تفصيل فقط إلى عطلات نهايات الأسبوع المعتادة، وربما يتحسن التواصل العائلي ورياضة التأمل، كما يقال عن حسنات للإغلاق.
  • * *
    في المقعد الخلفي
    تشترط التعليمات الجديدة لعمل سيارات الأجرة أن يجلس الراكب في المقعد الخلفي. في السابق، ندر أن يجلس الركاب الذكور بشكل خاص في المقعد الخلفي. كان ذلك يُعتبر مسيئاً للسائق بطريقة ما –ربما لأن الجلوس في المقعد الخلفي ممارسة تميّز النافذين الذين لديهم سواقون خصوصيون ولا يهتمون بالتعمية على الفارق الطبقي، وشأن للنساء للابتعاد ما أمكن عن غريب.
    كان بعض سوّاقي سيارات الأجرة يعترضون صراحة على جلوس الراكب في الخلف أيضاً. وحتى لو لم يكن الراكب وحيداً، وكانت معه أخته أو زوجته أو زميلته، كان جلوسه في الخلف يُضمر “شبهة” في ثقافة تحترف الاشتباه، وسوف يُشعرك بعض السواقين بامتعاضه بطريقة ما. ولذلك يختار الرجال غالباً الجلوس في الأمام، في دفاع عجيب عن السُّمعة.
    الجلوس في المقعد الخلفي ليس تعالياً بالضرورة. إنه في الأساس أكثر أمناً في حال وقوع حادث وأريد خفض احتمال أن ينقذف الراكب مباشرة من الزجاج الأمامي. بل إن أميركا “جلست في المقعد الخلفي” بينما تولت أوروبا تخريب ليبيا، مثلاً، لأنها لم ترد أن تكون في “بوز المدفع” عند الخطر.
    وربما يريد الراكب بعض الخصوصية والاستمتاع بسعة الحيز الذي استأجره، ما دام المقعد الخلفي فارغاً وأوسع. أما مع الحاجز البلاستيكي المطلوب الآن، فإنه قد يتجنب حواراً غير اختياري مع سائق ضجر يريد أن يتسلى ويسأل، ويتفرغ بدلاً من ذلك لتأملاته مسافة الطريق. وربما. ربما تشجع هذه الترتيبات الجديدة زبائن مترددين على استخدام سيارات الأجرة -إذا تطبّعت في ثقافة ما بعد كورونا.
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock