أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (3)..!

الخوف من اليدَين
في لقاء مع الموسيقار الكبير الراحل محمد عبد الوهاب، المعروف بوسواس النظافة، روى أنه حضر مأدبة عشاء، وعندما ذهب ليغسل يديه وجد قطعتين من الصابون، واحدة أعجبته رائحتها ولم يعجبه شكلها، وأخرى لم تعجبه رائحتها وأعجبته نظافتها، فغسل قطعة الصابون الأولى بالثانية قبل أن يستخدمها.
المعظم تخطوا رهاب المرض عند عبد الوهاب. بعضهم يعدون إلى عشرة ويغسلون أيديهم بالصابون مع ترديد “سنة حلوة يا جميل” بالعربية والإنجليزية لضبط التوقيت، ثم يغسلونها بـ”هايجين”، ثم بكحول مركزة، ثم يعدون إلى العشرة ويكررون العملية، لكنهم يظلون خائفين من أيديهم وكأنها طابور خامس للفيروس.
أما إذا خرج أحد وعاد، فقد يتعرض لعملية “غسيل” مادي ومعنوي، ويعامل كمشتبه به خطير حتى إشعار آخر. وسوف ترى في البيوت أوراق النقد مغسولة ومنثورة لتجف هنا وهناك لأن النقود العزيزة من أخطر حاملات المرض (استخدامها محظور حيث يمكن أن تنوب البطاقات). ويغلب أن تكون الزوجات والأمهات هن اللواتي يقُدنَ حالة التأهب القصوى إلى حد الفوبيا. وقد يشعر المرء أن المواجهة مع كورونا نفسه أهون من الانتظار المتوتر للهجوم مجهول الجهة في الخنادق.

  • * *
    لا شيء يُعجِب!
    مثل “ركاب الباص” في قصيدة محمود درويش، ثمة أناس لا يعجبهم شيء، ويعلنون بلا توقف في منشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي: “أنا لا شيء يعجبني”. البعض يصف عدم إعجابه بمستوى القلق الوجودي الفلسفي، والمعظم بلغة النزق اليومي. ينتقدون كل شيء ويصطادون ذرّات الهنات من الهواء –خاصة في أداء الحكومة.
    مع الأفراد غير المعجَبين، ترصد المعارضات سقطات الحكومات في هذه الأحوال بالذات. في فرنسا، تريد المعارضة استنطاق الحكومة في البرلمان. وفي أميركا، يتصيد المرشحون أخطاء المنافسين لتحديد نتائج الانتخابات. وعلى المستوى عبر-الوطني، تتحول علاقات الدول وخطاباتها، بعضها تجاهر بالعتب القاسي وأخرى تؤجل الحساب. لكنّ بعض غير المُعجبين يختارون مع ذلك إبراز الجماليات ورفع المعنويات وتأجيل المماحكات، ويقترحون بديلاً عاقلاً عما لا يعجبهم يساعِد حقاً بلوغ الوجهات.
  • * *
    “وَينُن”!
    الشوارع الخالية ومدن الأشباح في الكرة الأرضية تصنع خلفية مشهدية مثالية للأغنية الفيروزية المليئة بالحنين: “وينُن؟ وَين صواتُن وين وجوهن وينُن. صار في وادي بيني وبَينُن، وينُن”. كان هذا الخواء خيالاً بعيداً مخيفاً. وكذلك شأن اشتراك علماء وجيوش وحكومات العالم في معركة واحدة ضد عدو مشترك يستهدف الكوكب والناس بلا تمييز. لكن واقعية الحدث لا تقلل من غرائبيته والشعور بأنه لا يحدث لنا حقاً. يقول مصاب أميركي بكورونا لا يعاني من أعراض ويخضع للحجر المنزلي الإلزامي: “إنه شعور سوريالي تمامًا أن تكون جزءًا من هذا الشيء الضخم في واقع الأمر. أتخذ خطوة للوراء، وأدرك أنني أراه في الأخبار وأنه يهيمن على العناوين الرئيسية في كل مكان”.
    السيدة فيروز جُندت أيضاً للتخفيف من قسوة الأمر بالحجر المنزلي: “خليك بالبيت”. سوف تصل الرسالة أسرع وتوحي بمناخات أكثر طبيعية باستحضار صوت السيدة. ولاستكمال ثنائية السكون والحركة في الحجر، نستمع إلى الرائعة الأخرى، جوليا بطرس، ونردد معها: “بكره بيخلص هالكابوس. وبدل الشمس بتضوي شموس. على أرض الوطن المحروس. رح نتلاقى يوماً ما”.
  • * *
    خطط للتجوال، والحياة
    سوف نفكر في الحظر المنزلي الإجباري: “سوف -عندما يذهب الوباء- أسافر كثيراً. سوف أتجول –على الأقل- في كل ربوع الوطن. سوف أعيش، ببساطة. هذه الخبرة إنني أتعلم الآن كم أن الحياة تستحق أن تُعاش وكم هي رائعة حرية التجوال. سوف أسير على الأقل، في الشوارع تحت الشمس. وسوف…”.
    قبل الوباء، كانت خطط السفر مؤجلة لقلة النقود؛ لأن الأمان غائب عن معظم الوجهات القريبة الغارقة في الفوضى والاشتباكات؛ لأن الوجهات البعيدة تضنُّ بالتأشيرات ولا ترحب بالشرق-أوسطيين؛ أو ببساطة لأن عجلة العمل لا يُتيح مجالاً حتى لتوقف قصير.
    ربما يتغير شيء؟ رُبما يشيع شعور بوداعة “استراحة المحارب” العائد حياً من الجبهة بعد انتهاء حرب؟ ربما يصبح العالَم أكثر وُداً والناس أكثر تسامحاً وترحاباً بعد خبرة القتال في خندق واحد مع شركاء الإنسانية والكوكب؟ أم أنها خيالات طارئة تستحضِرُ شيئاً من الحيّز في ضيق الحصار؟
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock