أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (5)..!

الفيروس المطمئنّ
فيروس كورونا ليس كائناً حياً، بالتعريف، لأنه لا يبقى من دون عائل حيّ. ولأنه “جماد”، يُفترض أن لا تكون له غريزة ولا عقل ولا إرادة. لكنّه – مثل بقية الفيروسات- ظل يجترح طرقاً للبقاء، ويمكر، ويناور، ويطور نفسه حتى تمكّن أخيراً من غزو البشر وقلب حياتهم جميعاً رأساً على عقب!
الآلية التي تطور بها هذا “الكائن” في حيوان حي ما، وتهيأ حتى يقفز في لحظة مناسبة إلى إنسان “غير مرتاب”، كما يقول أحد العلماء، تتحدث عن تخطيط شرير عاقل. وبعد ذلك، منذ احتلاله أول إنسان في ووهان واستخدامه قاعدة للغزو والتوسع، يقوم الفيروس بإجراء “تقدير موقف” مثل أي قائد عسكري داهية. ويقول علماء إنه أحدث في نفسه أكثر من مائة طفرة، لكنَّ أياً منها “لم تكن مهمة بشكل خاص”. والسبب تشرحه ليزا غرالينسكي، الباحثة في جامعة نورث كارولاينا الأميركية:
“كان الفيروس مستقرًا (لم يتغير بشكل جوهري) بشكل لا يصدق بالنظر إلى حجم العدوى الذي شهدناه. وهذا منطقي، لأنه ليس هناك ضغط تطوري على الفيروس ليبحث عن طرق للانتقال بشكل أفضل. إنه يقوم بعمل رائع في الانتشار حول العالم في الوقت الحالي”.
منتهى الحكمة في تقدير الموقف! لا ضرورة لتغيير استراتيجية كاسبة. لكنّ أخباراً لاحقة أفادت بأن الفيروس عاد إلى غزو مصابين متعافين، بمعنى أنه ربما غير إستراتيجيته وتسلسله الجينومي عندما رأى أن البشر بدأوا يفهمونه. وحتى إذا انسحب “تكتيكياً”، فإنه قد يعود لاحقاً بقوى جديدة -كما يخشى العلماء. ولأنه وضعنا كلّنا أمام المعضلة، ربما ينشط النقاش الفلسفي حول ماهية الحياة، والإرادة، والعقل التي يتبين أنها أبعد ما تكون عن التعريف.

  • * *
    عمل للجواسيس
    في مقال له في مجلة “فورين أفيرز”، يكتب كالدر والتون، الخبير في شؤون المخابرات من جامعة هارفارد: “سوف تلعب وكالات الاستخبارات دوراً متزايداً في الإبقاء على دولها آمنة خلال الوباء -بأي وسيلة ضرورية”. ويكتب بِن كاسبيت من الكيان الصهيوني، في موقع “المونيتور” أن جهاز الموساد “تلقى تعليمات للحصول على أجهزة التنفس الاصطناعي ومجموعات اختبار فيروس كورونا من أي مكان، وبأي ثمن، وبأي وسيلة”.
    “أي وسيلة” هذه هي الشيء الذي أوجب تجنيد وكالات الاستخبارات في المعركة مع “كورونا”. ويذكر والتون من بين أربع مهمات للمخابرات في الأزمة “سرقة المعلومات”. ويشرح: “ستتمكن المخابرات الأميركية من تزويد صانعي السياسة في واشنطن بمعلومات فريدة -غير متوفرة من أي مصدر آخر- حول أسرار الدولة الأجنبية المتعلقة بالفيروس، بما في ذلك ما إذا كانت معدلات الإصابة الحكومية الرسمية دقيقة”.
    لكن غاسبيت يذكر سرقة أخرى تقوم بها المخابرات، بالإضافة إلى توظيف علاقاتها بالوسطاء النصابين والمهربين للحصول على المستلزمات الطبية لمكافحة “كورونا”، كما يقول. “وضع جماعة الموساد أيديهم على تقنية جديدة لتصنيع أجهزة التنفس الاصطناعي، وبدأ 30 مصنعًا إسرائيليًا السباق مع الزمن لصناعة هذه الآلات”. ويعني بـ”وضعوا أيديهم” أن الموساد سرقوا التقنية، ببساطة. ربما تكون “أخلاقية” سرقة معلومات الآخرين وتقنياتهم لغرض حماية مواطني دولة “بأي ثمن” نسبية وموضع نقاش. دائماً ما كانت العدوانية مبررة “أخلاقياً” و”أيديولوجياً” لأصحابها.
  • * *
    عملاء آخرون
    نفس أولئك الذين اعتادوا تهديد سلامتهم وأرواح مواطنيهم بخرق قوانين السير، وافتعال المشاجرات، والتجاوز عن غيرهم بلا حق في أي طابور، هم الذين يعملون الآن عملاء للوباء. ليس مفهوماً كيف يضع إنسان نفسه طوعاً في مواضع الخطر! كيف يشعر بأن هناك احتمالاً -ولو قرب الصفر- لحمله العدوى، ولا يسارع إلى الفحص وحجر نفسه على الفور! كيف يقبل أن يكون ضحية محتملاً وقاتلاً محتملاً!
    للأسف، هناك دائماً أولئك الذين يسخر سلوكهم من أي منطق، الذين يخذلهم العقل ويكدرون صفو العالم ولا يثنيهم سوى الردع والعقاب –الذي يأتي دائماً بعد وقوع الضرر. الآن، في ما لا يقل عن معركة وطنية من أجل البقاء، ضد عدوٍ يستهدف البلد بناسه ومقدَّراته، يعمل البعض وكلاء للفيروس القاتل –بلا أي مكافأة- ويسهلون انتشاره وعمله التدميري في خيانة للذات والآخرين والوطن. ليس الأمر مجرد قطع إشارة حمراء، مع أن المبدأ واحد. إنه عبث باستدامة الوطن، لا أقل!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock