أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (6)..!

“قهوة الصباح بلا جريدة”
علاقة الكثيرين بالصحيفة الورقية تراث حياة، يبدأون بها يومهم مع القهوة الصباحية لاستعادة الصلة بالعالم في اليوم الجديد. وقد انضمت الصحف إلى الأشياء الكثيرة التي احتجبت بسبب الوباء ونقصت من اليوميّات الاعتيادية. وما تزال الصحف تصدُر بنسخها الرقمية وتصل إلى صناديق بريد الهواتف المحمولة بدل الصناديق على أبواب المنازل. لكنّ الكائنات الرقمية لا تقترب مجرد اقتراب من حيوية الموجودات المحسوسة في العالم الطبيعي وماهية تفاعلاتنا معها.
بالنسبة للمساهمين المباشرين في تخليق الجريدة الورقية، فإنّهم يتفقدونها أول شيء في الصباح لرؤية ما كتبوه على الصفحات والاطمئنان إلى مكانه وطريقة تراصفه مع بقية أجزاء الحزمة المعرفية. ومن دون الصحيفة الورقية، يرون عملهم في طوره الرقمي كائناً جنينياً لم يكتمل ولم يخرج إلى شمس الصباح من المطابع.
أيُّ بلد بلا صحف ورقية يفقد سمة من سمات البلدان الحيّة، ويقترب من القرية الهامشية المكتفية بالحد الأدنى من المؤسسات. بل إن الأقاليم والمدن المعتدة بذاتها تكافح للاحتفاظ بصحفها المحلية كجزء من شخصيتها وروحها المجتمعية الخاصة. وكانت الصحافة الورقية تخوض صراعاً وجودياً أمام الرقمنة مسبقاً. والآن، يستهدف الوباء دفاعاتها وأجهزتها الحيوية وتجسُّدها الفيزيائي، ويجبرها على الاحتجاب والحجر في الحيز الإلكتروني، في انتظار أن تخرج منه هي أيضاً لتلقي تحيتها الصباحية على الأصحاب.

  • * *
    “المراييل البيضاء”
    لم يكن العاملون في الطب والصحة في أي يوم هامشيين. ولا بد أن يعرف المرء ضرورتهم كلما أصابه عارض وفزع إليهم وحدهم لتخليصه من ألمه وإعادة تنظيم أجزائه. لكنّ أدوارهم الدورية ظهرت الآن بكامل الحضور. إنهم الآن في خط الدفاع الأول عن البشرية، وعليهم – بعد الله- يتعلق أمل الذين غزاهم الفيروس في استئناف الحياة.
    عندما اندلع الوباء في ووهان الصينية، كانت الحافلات التي تقاطرت إلى المدينة محملة بالأطباء والممرضين وفرق التقصي الوبائي والمساندين هي الغوث الأساسي، تماماً مثل قوات الاحتياط العسكرية التي تتم تعبئتها وإرسالها إلى الجبهة. وبدل الخوذات والسترات المضادة للرصاص، ارتدوا أقنعتهم وبدلاتهم المحكمة التي تحجب عن أجسادهم كل ذرة من الهواء الطبيعي. وكان من المؤثر بشكل خاص معرفة أن أصحاب المراييل البيضاء هناك كانوا يرتدون حفاظات الكبار، حتى لا يضيعوا الدقائق الثمينة في خلع وارتداء الأردية الكثيفة، تماماً مثلما قد يتسبب انشغال جندي طرفة عين في جبهة مشتعلة بحدوث خرق وانهيار الدفاعات.
    لخصت رائعة إبراهيم طوقان “بيض الحمائم حسبهنّ” التي حفظناها في الابتدائية قصة أصحاب المراييل البيضاء. ويجسدها الآن كل أفراد هذا القطاع من الشجعان الذين يذهبون إلى الخط الأمامي، بينما نحتمي بهم في الخلف فحسب، بأمل أن لا نصاب فننضم إلى المعسكر المعادي ونضعهم تحت المزيد من الخطر والضغط.
  • * *
    فلسطين في الحصارات
    من أبلغ ما كُتب عن فلسطين و”كورونا” ما ورد في تغريدة الرئيس التونسي، قيس سعيّد، في آذار (مارس). كتب الرئيس: “كم هو مؤلم أن ترى #الصين و#إيطاليا وقد عاشت شهرين في جحيم #كورونا الجديد وكسبت تعاطف العالم.. بينما #فلسطين تعيش أكثر من 60 عاماً في جحيم أجرم احتلال عرفته البشرية عبر التاريخ ولم يتعاطف معها أحد. #عالم منافق”.
    هناك في العالم أيضاً مَن لا يغيب عنهم البُعد الجديد للكارثة المتواصلة التي تضرب الفلسطينيين –خاصة في غزة المتعبة المحاصرة، التي أصبح الضغط المستمر على مشافيها وكوادرها الطبية بالمصابين شأنها العادي. ولعل غزة هي المكان الوحيد –إلى جانب السجون الاعتيادية- الذي يختبر فيه الناس حجراً داخل حجر، وهجوماً بعد هجوم، وحصاراً فوق حصار.
    الآن قد يعرفُ الناس معنى أن لا يجد المصاب في حالة حرجة سريراً في مستشفى، ولا معدات ولا علاجات تخدر ألمه أو تنقذ حياته. وسيعرفون معنى العيش في العزل والحصار تحت الهجوم ومع الخوف والموت المتربص.
    ولكن، يغلب أن الذين لم يفهموا محنة الفلسطينيين كل هذه العقود قبل “كورونا” لن يتعاطفوا معهم بعده. بل إن النرجسية تتجلى الآن بكامل قبحها عند أولئك الذين يديمون النكبة الفلسطينية، الذين يستأثرون بالوسائل المنقذة للحياة من الوباء ويتخاطفونها على حساب جيرانهم وحلفائهم ويتركونهم في العراء!
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock