أفكار ومواقف

في الحجر المنزلي (8)..!

الناس، أم الاقتصاد؟
عندما ضرب الوباء الصين أولاً، وجه الرئيس حكومته إلى استخدام موارد الدولة كافة لوضع صحة الناس قبل الاعتبارات الاقتصادية. وفي هذا منطق واضح: الاقتصاد لا معنى له إذا اعتلّ الناس الذين يُشغّلونه. وفي الحقيقة، لا يمكن تخيل اقتصاد عامل في بلد يمرض فيه الناس بعشرات الآلاف أو الملايين، ويتداعى نظامه الصحي ويموت مواطنوه بأعداد كبيرة.
لكنّ صحة الناس المعلقة على شرط إغلاق الاقتصاد والحظر في المنازل ستعني مرض الاقتصاد. سوف يضربه الدّوار وكسل الأجهزة الحيوية والترنح والصدمة، ثم السقوط. ولذلك كانت الأوبئة الكبيرة مصحوبة -تاريخياً- بالمجاعات بسبب تحييد وسيلة الاقتصاد وغايته: الناس.
محاولة الاقتراب من نقطة التوازن الصحيحة بين صحة الناس وصحة الاقتصاد هي المعيار النهائي لخروج الدول من الوباء بأقل الأضرار. وهي نقطة الجدل الرئيسة في كل مكان الآن، من أميركا الغنية إلى أفقر الدول. وهي معضلة كل صاحب قرار. لذلك، من الطبيعي هنا في الأردن أن يدعو أحد إلى الإغلاق الصارم لصالح صحة الناس، وأن يقترح آخر التخفيف لتشغيل الاقتصاد. ولكلا الرؤيتين منطقها.
سوف يكون وضع تصل فيه الإصابات والوفيات إلى الآلاف وعشراتها في بلد نام -وصفة أكيدة للانهيار الكامل. وقد أوضح الفيروس كم هو غادر وكيف جعلت الغفلة عنه أقوى الدول تبكي. والترياق الوحيد المتاح الآن هو الضغط على الاقتصاد لصالح الصحة، وتخفيف الإغلاق عنه عند نقطة محسوبة لكي يتنفس ويحرك أطرافه، ثم العودة إلى التشديد حتى لا يخرج الوباء عن السيطرة. وسيكون المرجع هو عدد الإصابات وكيفية التفشي، في انتظار أن يتراجع الفيروس وحده أو يجدوا له لقاحاً أو علاجاً. في الحقيقة، لا يمكن أن تكون الخيارات أضيق!

  • * *
    الأتمتة، ومتعلقاتها
    فرض التكيف مع الوباء التعجيل في خبرتين، من بين أخريات: الأتمتة، والعمل من المنزل. تسارعت فجأة تطبيقات الهواتف المحمولة والتعاملات الإلكترونية والحكومة الإلكترونية. وكان هذا التحول مطلوباً دائماً لتسهيل الإجراءات وإنجاز المعاملات. وتبين الآن أن نوعاً من التراخي كان وراء التأخير، وليس فقر الإمكانيات. الآن، يستطيع المواطن الأردني أن يتواصل مع الدوائر والمؤسسات إلكترونياً، وأن يدفع إلكترونياً، ويتسوق إلكترونياً، ويعمل إلكترونيا -بل ويستخرج تصريحاً بالهاتف.
    لكنّ ذلك -والعمل من المنازل بكادر بشري أقل في كثير من الأحيان- ربما يغيّر إلى الأفضل أو الأسوأ. سوف تتضح أكثر حقيقة التضخم المفرط للجهاز البيروقراطي و»البطالة المقنعة» في القطاع العام وجزء من الخاص، وكيف يمكن إنجاز المعاملات والأعمال بكفاءة أكبر من كل النواحي من دون كل هؤلاء الموظفين. وينبغي أن يسرّع إدراك ذلك عملية ترحيل كبيرة لقوة العمل إلى القطاعات الإنتاجية وترشيق البيروقراطية. والاقتصاديون يعرفون أكثر.
    يتوقع المراقبون في كل مكان ارتفاع معدلات البطالة وتضرر الأعمال نتيجة للإغلاقات. لكن هذا يجلب إلى الأمام فكرة يجري التعبير عنها بصوت عالٍ الآن: أظهر الوباء أهمية إنتاج أكبر قدر من الاحتياجات محلياً وتقليل الاعتماد على الخارج إلى الحد الأدنى. وفي هذا دعوة إلى إجراء مراجعة جدية لتركيبة الاقتصادات من كل الأحجام. ولطالما كنا مدعوين في الأردن إلى تعريف هوية جديدة للاقتصاد، في اتجاه تحديد مجالات للإنتاج المحسوس الذي له ثمن وقابل للتسويق. وسيعني ذلك تقليل البطالة، وتنشيط حيوية الناس والبلد، والمزيد من تحرير القرار السياسي، والاستقرار الاجتماعي وتغير العادات والعقليات والاتجاهات.
    إذا كانت لهذا الوباء فائدة محلية، فهي إحياء الانطباع بأن الأردن يستطيع دائماً أن يفعل أفضل. وما كان ينبغي أن يكون الخطر الكبير هو الشرط لتحفيز كل خلية في البلد. لماذا لا تكون كفاءة الأداء والتخطيط والابتكار قريبة من حالها الآن في الأوقات الأكثر استرخاء؟ ما يزال من المبكر تقييم تجربتنا مع الوباء وإلى أين يمكن أن تذهب الأمور السيئة والجيدة. وسوف يكون الأداء في مرحلة ما-بعد-الوباء أهم قطعا. يحدُث كثيراً أن يتراجع التحفز ويتقدم الكسل عندما يذهب الإحساس بالخطر المباشر. والأمل أن لا يحدث ذلك. لطالما كان ارتخاء الأطراف وشتات العقل والعجز عن التصرف أخطر على الناس والبلدان من أي فيروس. وغني عن القول إننا لم نكن في وضع مثالي قبل الوباء أو بعيدين عن الخطر.
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock