أفكار ومواقف

في الخوف والظلام!

في فيلم “نهوض فارس الظلام” (2012) The Dark knight Rises (وهو الفيلم الثالث والأخير من سلسلة أفلام “باتمان”، للمخرج والمؤلف كريستوفر نولان)، تتم محاكمات جماعية لشخصيات تقاوم سيطرة العصابة على المدينة. ويعيّن قاضي المحكمة دكتور كرين، الذي يعاني من أمراض نفسية، فيحكم على ضابط سابق ومن معه من مواطنين يقاومون، بالاختيار بين النفي إلى الثلوج خارج المدينة أو القتل. فيسأله الضابط (اسمه جوردن): إلى أي أساس تستند هذه المحاكمة؛ بلا شهود ولا أدلة حقيقية ولا فرصة عادلة للدفاع عن النفس؟ فيكون الجواب الضمني بأنّ هذا هو القانون الجديد!
هو مشهد معبّر تماماً، وربما بصورة أخف كثيراً عمّا يحدث حالياً في مصر، من حالة هستيرية في التنكيل واعتقال وسجن أي شخص يختلف مع النظام الحالي. وهو سجن أشبه بالحكم بالإعدام، وقد توفي في هذه الظروف عدد من السجناء. وكان من آخر ما رأيناه، صور رئيس مجلس الشعب المصري سابقاً، ورئيس حزب الحرية والعدالة، د. محمد سعيد الكتاتني، بعد أن خسر جزءاً كبيراً من وزنه، وبدا عليه الشحوب والتعب، بسبب الظروف غير الإنسانية في السجن. وكانت المقارنة المنطقية بين هذه الصور، وصور سدنة نظام حسني مبارك الكبار، الذين عوملوا في السجن بدرجة كبيرة من الرفاهية والدلال والتوقير!
إلى جوار صور الكتاتني، يتناقل نشطاء حقوق الإنسان في مصر صورا للدكتور والإعلامي والباحث المتميز هشام جعفر، الذي كان سابقاً يرأس تحرير موقع “إسلام أون لاين”، وليس حالياً عضواً في جماعة الإخوان المسلمين. فاعتقلته السلطات المصرية بتهم واهية، ليقدم إلى المحاكمات الشكلية ذاتها. والحال نفسها تنطبق على الباحث المصري اسماعيل الاسكندراني، في مؤسسة كارنيغي سابقاً؛ وهو باحث مستقل ومحايد، وله رؤية نقدية من جماعة الإخوان المسلمين، لكنّه لا يؤيد الانقلاب وتداعياته، وقد اعتقلته السلطات المصرية فور عودته إلى المطار للاطمئنان على والدته المريضة.
فعلاً، هما خياران لا ثالث لهما؛ إما الموت أو النفي، بمعانيهما الحقيقية أو المجازية. فالدكتور عمرو حمزاوي، النائب السابق، والباحث الليبرالي، اضطر مؤخراً إلى مغادرة مصر، بعدما ذاق الويلات من حرب نفسية وتهم وهمية. ولا يختلف الأمر بالنسبة للمفكّر المعروف البروفيسور سيف الدين عبدالفتاح، الذي انتهى به الأمر إلى الهرب، بعدما أصبح مهدداً، وممنوعاً من التدريس في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة.
لا يوفّر هذا المناخ الموبوء المسكون بالرعب والهلع والقلق، أحداً. فقبل هؤلاء، كان بلال فضل وباسم يوسف وخليل العناني وغيرهم من خيرة “الإنتلجنسيا” المصرية المثقفة، يفضّلون النفي أو البقاء خارجاً على العودة لمواجهة النمط الهستيري من الحكم.
لكن، وكما يقال دائماً، “شرّ البلية ما يضحك”؛ إذ إنّ هذه الحالة الهستيرية السياسية لم ينجُ منها حتى أولئك الذين اشتغلوا بالباع والذراع لإنجاح الانقلاب وتسويقه والدفاع عنه، بداية من الأديب المعروف علاء الأسواني، وصولاً أخيراً إلى المخرج خالد يوسف، الذي نجح في الانتخابات المصرية، ليجد نفسه أمام قضية مرفوعة من زوجة عميد كلية إعلام تتهمه بالتحرش. وتتضمن الشكوى صوراً وأفلاماً إباحية فاضحة له، بزعم المدّعية. وهي اللعبة نفسها التي أصبحت وسيلة الابتزاز واغتيال الشخصيات، سواء مارستها السلطة أو الذين أصبحوا يعرفون تماماً طبيعة النظام الجديد!
هل يمكن أن يستمر مثل هذا الوضع الهستيري والمأساوي؟! لن أجيب. لكنني أنصحكم بقراءة كتاب “بعث صدام” رؤية لنظام استبدادي” للباحث جوزيف ساسون، أو مقال بلال فضل “كيف سقطت دولة المليون مخبر”، بجزأيه، والذي قدم قراءة جيدة للكتاب؛ فالنتيجة هي أنه يمكن أن يُحكم الناس بهستيريا الخوف، لكنّه حكم، بلا شك، هشّ ومأزوم وسريع الانكسار!

تعليق واحد

  1. مقال رائع
    يا سلام على هذا المقال الذي يبعث على التفاؤل بزوال الظلم. بهذا السياق علينا أن لا ننسى من كان وراء الانقلاب ودعمه بحبايات الرز بدون حساب لا لشئ بل مخافة وصول الوعي لبلادهم. الإسلاميون للأسف كانو ساذجين سياسيا وكانوا صيدا سهلا وأيضا استأثروا بالحكم وان كان ذلك لا يبرر بأي حال من الأحوال الانقلاب. المشكله أن بريطانيا ترى بالإخوان عاملا على التطرف وتناست النظر إلى الظلم وعدم العدالة بمنطقتنا كان من أهم الأسباب لما يسمى بالتطرف. بوركت استاذ محمد على قلمك الرائع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock