أقيم في السينما، منذ أن أسند لي الأستاذ عاطف الطيب دورا مؤثرا في فيلم كان في ذهنه، وكان ينوي الأستاذ أسامة أنور عكاشة أن يكتبه. ويبدو أنه كتبه بالفعل، ومن المرجح أيضا أن “الطيب” قد أخرجه، قبل موته المبكر بذبحة قلبية غادرة، وهذا يعني أن مصيري أصبح فيما بعد بيد “عكاشة” وحده، الذي كان مزاجيا ويبدل المخرجين كما يشطب جملة ويكتب فوقها، وهذا يعني أيضا أني عالق منذ العرض الأول، أي قبل عشرين عاما، في مشهد حب فوق هضبة الهرم.
أمشي كأن كاميرا محمولة تتبعني، أحك أنفي بإيعاز من مساعد المخرج، أنظر إلى ساعتي متوترا، يتقدم مني رجل شائع في الأفلام العربية، يسلمني ظرفا غامضا أضعه في السترة الجلدية، وأتلفت بوجوم حتى ينبهر المخرج، ويصفق بعد لازمته “ستوب”. ينفض المصورون وفنيو الإضاءة، لكني أستمر بأداء دوري كأن الكاميرا المحمولة ما تزال تتبعني، أستكمل المشاهد الخارجية، أنخرط بمظاهرة يقمعها الأمن المركزي بقسوة، أتعرض للمطاردة بجانب جامعة القاهرة، قدمي تتعثر كما يحدث عادة، حتى أصل قسم بولاق، ويصفعني المأمور دون خدع صوتية.
انتهى الفيلم أو انتهت القصة، فقد مات الأستاذ عاطف الطيب، وتوقف الأستاذ أسامة أنور عكاشة عن الكتابة الجاذبة حتى توفي من السأم. لكني ما أزال أجلس كأن كاميرا محمولة ترقبني، فأفتعل العبوس، وأتمهل بالضحك، أتحاشى صفعة أبي الذي نزل عن الشجرة، وأصرخ فيما أظنها قاعة للمحكمة ضد الحكومة، وألعب قليلا مع الكبار، أجرب الحب خلف قضبان اعتبرتها مجازا زنزانة. أنا الذي قتلت الحنش، ولم يكن في قلبي شيء من الخوف، وأنا آخر الرجال المحترمين، والراعي، والبريء، والحريف، والساحر، والغول، والهلفوت، أنا.
هزمنا إسرائيل كذا هزيمة في السينما، وقامت ثورات قاسية على الطغاة، وانتصر الخير على توفيق الدقن، أقصد على الشر. وفي السينما أيضا مات الإقطاعي ضربا بالأحذية، وحوكم الرأسمالي بالبدلات البيضاء والزرقاء ثم الحمراء، وانتقم البطل لصاحبه من دستة أشرار بذراع مكسورة. يقتل تاجر المخدرات برصاصة في الرأس، ويرقى الضابط، ويتعافى المدمن، ويندم الوسيط بينهما ويصلي ركعتين في “الحسين”، ويشفى مريض السرطان أو يكتشف أن التشخص خاطئ، ويتزوج خريج دبلوم “الصنايع” من ابنة الباشا في غرفة خشبية فوق السطوح، ولا يحدث هذا إلا في السينما.
“في السينما”.. هذه لافتة وضعتها على باب شقتي، وكتبتها منبها الفضوليين في تطبيق واتساب، وسأكتبها بالأخضر المؤلم على جبيني إن اضطررت، فلا تخدشوا عتمتي أرجوكم، لا أريد أن يخرجني أحد من “الدور” الذي أعيشه منذ عشرين عاما، حين علقت في مشهد حب فوق هضبة الهرم. لم أخرج خطوة واحدة خارج السينما، ففيها كنت سنيدا وفيا لعادل إمام، وغريبا في بيت سعاد حسني، هزمت فريد شوقي رغم عدم التكافؤ في البنية، وتزوجت ليلى علوي بورقة غير موثقة، وإمعانا في الحظ التعيس فقد سقطت الورقة في النيل!

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock