أفكار ومواقف

في القضايا الثقيلة..

مالك العثامنة

شخصيا لم أعرف أشرف طلفاح لا شخصيا ولا فنيا قبل مأساة “مقتله” الغامض في القاهرة، وتلك ليست مشكلة المرحوم الذي كان فنانا مبدعا بلا شك وبشهادة كل من عرفوه وبتقدير شخصي لبعض فيديوهات تابعتها بدافع الفضول بعد موته رحمه الله، وليست مشكلتي أني لا أتابع الإنتاج الفني الأردني وقد انعدم ترويجه وتسويقه ولن أتحدث عن محتواه فليس لي حق بالحكم وأنا غير متابع أساسا.

آخر أيام السنة الماضية، دعاني الفنان الكبير زهير النوباني إلى بيته في عمان لتناول إفطار شهي، والرجل “العملاق” كان متواضعا بالغ التهذيب في حديثه عن أزمة الفنان الأردني، لكنه لم يتردد في إبراز دور الإعلام كحالة مهمة داعمة للفن الأردني الذي فقد بريقه، وقد كان له بريق إقليمي عربي واسع الانتشار.

قبل فترة بسيطة، فنانة أردنية قديرة هي مارغو حداد، وهي استثناء نادر جمع بين الجمال الفائق والذكاء المتقد والثقافة “الأكاديمية والمعرفية” الواسعة، بالإضافة إلى الموهبة الأدائية أعلنت عبر صفحات وسائل التواصل الاجتماعي عن اعتزالها التمثيل وكان واضحا حجم المرارة من الواقع البائس الذي دفع محترفة أثبتت حضورها الفني في القاهرة وعواصم عربية أخرى في زمن قياسي قصير أن تبتر مسيرتها التي يفترض أن تكون اليوم بذروتها بهذا القرار.

هناك فنان أردني اسمه منذر الرياحنة، يلمع نجمه في مصر كحالة فنية تكافح لإثبات نفسها، هو من حالات التهجير القسري للمبدعين الأردنيين، وربما صار إياد نصار منسيا كأردني، وقد يراه البعض فنانا مصريا بعد أن لفظه خواء الحالة الفنية الأردنية.

في المقابل، أراقب – من خلال نوافذ الفيسبوك- لمحات خاطفة مما تيسر لي متابعته على صفحات شباب أردنيين مبدعين في الكتابة والشعر والنثر والمسرح، ومحاولاتهم الجادة لتأسيس مسرح “الشمس” كما اختاروا تسميته، ولا أملك تقييم مسرحهم “وقد لا أميل لنوعه الفني” لكنها محاولات تثير الإعجاب في واقع رديء في الإنتاج الفني عموما، لكنهم يحاولون، وأتمنى أن أقول “يكفيهم شرف السعي” لكنه في الحقيقة لا يكفي.

نعم، الإعلام الأردني مقصر في حق الفن الأردني، لكن هذا في حالة افترضنا وجود إعلام بكامل لياقته الصحية أساسا، والمؤسف أن واقع الإعلام الأردني نفسه “في العموم” أكثر رداءة.

ومع ذلك، فهناك تقصير من جيوب الإعلام الناجح “وهو قليل” وسأكون أكثر صراحة لو تحدثت عن قناة رؤيا التي أتابعها في مهجري بإعجاب في كثير من برامجها، ومن ذلك برنامجي “دنيا يا دنيا ” اليومي، و” حلوة يا دنيا” الأسبوعي، وفي البرنامج الأخير لاحظت تتابعية استضافة فنانين من سورية كل جمعة، وهي استضافة تشمل السفر والإقامة والحضور على الهواء، وهذا جميل وممتع في قواعد صناعة الترفيه الجميل، لكنه مؤسف ألا نعرف عن فنانين أردنيين وحجم موهبتهم إلا بعد رحيلهم.

الصحافة أيضا مقصرة، وفي تاريخ الصحافة والفن في مصر ولبنان في الأيام الذهبية لهما، كانت الصحافة “الفنية” تخصصا يرفع النجوم أو يحط من شأنهم، ولعل أحد أساطير الصحافة المصرية وهو محمد التابعي كان أكثرهم معرفة بالفنانين ودور الفن في تسويق “الدولة”.

في بلادنا ، الفن – كما الثقافة عموما- خيبة ليست لها هيبة، والفنان حالة متأخرة في التراتب الاجتماعي الذي ارتبك فصار أي محدث نعمة او محدث صدفة في عالم السياسة نجوما في سماواتنا المطفأة بكل تلك النجوم السديمية.

حتى مقالي هذا، قد يثير استهجان بعض المحبين الذين يرون أن الكاتب يجب أن يكتب في القضايا الثقيلة!
..لكن الفن قضية ثقيلة أيها السيدات والسادة.

المقال السابق للكاتب 

داعشيون بربطات عنق في تل أبيب

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock