فكر وأديان

في النقد الذاتي للحركات الإسلامية (1 – 4): د. الأنصاري والأخطاء الستة

أسامة شحادة*

التيار الإسلامي، جماعات وأحزابا وجمعيات وأفرادا، هو مكون أصيل في أمتنا، بل هو المكون الأساس لهذه الأمة. وهو المكون الأكبر والأقوى والأفضل، بشهادات صناديق الاقتراع، الأمر الذي نطقت به انتخابات تركيا وأندونيسيا مؤخراً.
لكن مع أصالة وتجذر وقوة التيار الإسلامي، إلا أنه ما يزال يعاني من أخطاء ونقائص ذاتية؛ إنْ في مجال التصور والتنظير، أو في مجال السلوك والممارسة، تعتبر السبب الأول لعدم اكتمال تجربة التيار الإسلامي ونجاحه المنشود.
وللأسف، فإن هذه الأخطاء والنقائص تتكرر بشكل دوري، وتنتج عنها خسائر ومشاكل كبيرة، تدفع الأمة ضريبتها أولاً، ثم التيار الإسلامي نفسه. ومما يفاقم المأساة أنه لا تتم دراسة هذه التجارب والمآسي لتجنب تكرار هذه الأخطاء، وتصويب المسار، للوصول إلى نهضة الأمة وعزتها بأيسر طريق، وبما يحقق النفع والخير للجميع.
وإذا كانت طبيعة العصر الماضي لا تساعد في انتشار دراسة التجارب والتفحص لخطواتها، بسبب قلة الخبرة أو الكفاءات النقدية، أو بسبب ضعف أدوات التواصل والاتصال، أو بسبب الخوف من فكرة النقد الذاتي العلني، فإن الواقع اليوم قد تبدل كلياً. فالكوادر النقدية أصبحت متوافرة، ولله الحمد؛ وآلية التواصل أصبحت ميسورة؛ ومبدأ الشفافية صار متفقاً عليه. ولكن بقي، وللأسف، تكلس بعض العقليات والقيادات هو ما يجعلها تمانع وتقاوم النقد والتقويم، في مشابهة لمسلك الطغاة الذين تصارعهم، فحقت في هذه القيادات الإسلامية مقولة ابن خلدون: “المغلوب مولع بتقليد الغالب”!
وقد رأينا في أيامنا هذه كم أضر السكوت عن نقد وفضح أخطاء تنظيمي “القاعدة” و”الدولة الإسلامية في العراق والشام” بالثورة السورية، وعوقها عن غايتها. وكذلك كيف ساهم تكرار جماعة الإخوان المسلمين للأخطاء، في سقوط حكم د. محمد مرسي سريعاً. وهذا الوضع ينطبق على الجماعة في تونس وليبيا والمغرب واليمن والأردن؛ فسمة عدم الاستفادة من تجارب الماضي، وللأسف أيضاً، هي سمة عامة.
لقد علمنا ربنا، عز وجل، أن العتاب العلني لا ينقص من مكانة المعاتب، وذلك حين أنزل من فوق سبع سموات عتاباً لأفضل المؤمنين والمجاهدين، وهم أهل أحد، وجعله قرآناً يتلى إلى يوم القيامة؛ فالنقد العلني والشفاف، وفي وقت الأزمة، هو منهج رباني وقرآني.
إن النقد الذاتي لأخطاء التيار الإسلامي لا يعني، بأي حال، أن خصوم ومخالفى التيار الإسلامي من دون أخطاء وخطايا، أو أنهم لم يتقصدوا إفشال مسيرة العمل الإسلامي، وإنما مبعثه أن آمال الأمة معلقة بالتيار الإسلامي واستقامته على طريق الحق والنجاح والأخذ بالأسباب الصحيحة، حتى نرتقي وننهض ونتقدم. وهذا النقد لا يشترط أن يكون صواباً بالمطلق، ويكفيه فتح الباب للنقاش والبحث، للوصول إلى الأفضل.
الدكتور فريد الأنصاري رحمه الله، من الشخصيات العلمية والدعوية المغربية، وقد كان من قادة جماعة التوحيد والإصلاح ثم تركها. وله عدد من الكتب النقدية لمسيرة العمل الإسلامي، منها: “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”، و”الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب”، و”الأخطاء الستة للحركة الإسلامية بالمغرب” وهو الذي سنعرض للقارئ خطوطه العريضة.
وقد كان د. الأنصاري من محبي فتح الله غولن، وألف في ترجمته رواية أدبية بعنوان “عودة الفرسان”. ولا أدري لمن كان سينحاز لو أنه شهد الصراع بين رجب طيب أردوغان وغولن.
تقوم رؤية د. الأنصاري على نقد ستة مظاهر للغلو حد التقديس لبعض المفاهيم، حتى أصبحت فوق النقد والتقويم، وأطلق عليها لقب “الصنمية المنهجية” في عدد من الاتجاهات الإسلامية المتعددة في المغرب، وهي:
1 – صنم الخيار الحزبي. ويقصد به تضخيم العمل السياسي على حساب العمل الدعوي، وجعله الأساس في استراتيجية الإسلاميين. فهو يرى أن العمل الدعوي والانتشار هما الأصل في العمل الإسلامي، وأن الدعوة يجب أن تكون لها رؤية وبرنامج واضحان، وتتسابق الأحزاب على خطب ودها عبر تبنى رؤية الدعوة الإسلامية أو جزء منها ضمن مشاريعها.
هذا رغم أن الأنصاري كان لا يعمم هذه الرؤية على كل البلاد؛ فهو يؤيد حزب العدالة والتنمية في تركيا، ولكن بسبب فصله التام بين العمل الحزبي السياسي وبين العمل الدعوي. ولكن ما يحدث اليوم في تركيا من صراع بين الحزب (حزب العدالة/ أردوغان) وبين الدعوة (جماعة الخدمة/ غولن)، واتهامات أردوغان لها بأنها تمارس السياسة من تحت الطاولة؛ هذا الوضع يحتاج بحد ذاته إلى دراسة معمقة لحقيقة اتهامات أردوغان لجماعة الخدمة، ومدى جدوى توزيع الأدوار هذا، وهل هو خيار جيد يمكن تكراره، وأن ما حصل هو بسبب طمع “الخدمة” بكل الكعكة؟
وقد سرد الأنصاري بعض الخسائر التي لحقت بالإسلاميين بسبب هذا التغول السياسي، مثل ظهور نوع من العلمانية لدى سياسي وشباب الإسلاميين، عبر انتقاص الوعظ والتدين، فضلاً عن التنازل عن بعض الثوابت الشرعية، وضعف العمل التربوي في الحركة الإسلامية بشكل كبير، وعجز بعض الرموز السياسية عن تقديم النموذج الأخلاقي للسياسي الإسلامي. وقد توسع في هذه القضية في كتابه “البيان الدعوي وظاهرة التضخم السياسي”.  
2 – صنم الخيار النقابي. إذ يعيب الأنصاري دخول لعبة النقابات العمالية التي تتحكم فيها رؤية ماركسية طبقية، تقوم على الصراع بين العمال وأصحاب العمل، وتتعارض مع الرؤية الإسلامية التي تقوم على التعاون وعدم الضرر بأي طرف (لا ضرر ولا ضرار)، وأيضاً، كان الدخول للنقابات من دون وجود تهيئة شرعية فقهية لنوازل النقابات وإشكالاتها الشرعية. والأصل في العمل الإسلامي نشر وتنفيذ الرؤية الشرعية، لا مجرد المشاركة والحضور.
هذا النقد ينطبق على الاتحادات الطلابية؛ إذ تسربت الروح الثورية الماركسية التي أسست هذه الاتحادات إلى القيادات الطلابية الإسلامية، خاصة التابعة لجماعة العدل والإحسان في المغرب؛ فلم يكن هناك فارق بين سياسات وسلوكيات الطلبة الإسلاميين والطلبة اليساريين، سوى باسم من يبدأ البيان؛ الشعب أم الله!
3 – صنم الشخصية المزاجية. وذلك بسبب غياب “القيادات العلمية الرسالية والربانية الحكيمة”، وأن غالب قيادات الحركة الإسلامية هي من المثقفين والتكنوقراط. وهؤلاء مع الحاجة لهم في بعض مفاصل الحركة الإسلامية، فإنه لا يصح أن يقودوها؛ لأنها حركة إسلامية في المقام الأول. ولذلك، وقعت منهم أخطاء عقدية وفقهية، ومواقف غير سليمة في باب السياسة.
4- صنم التنظيم الميكانيكي. ويقصد به التنظيم الهرمي الذي اقتبسه الأستاذ حسن البنا عن التنظيمات السياسية. ويرى الأنصاري أن هذا التنظيم الميكانيكي تسبب في ظاهرتين مرضيتين، هما: “صنم الأنا الجماعي”؛ بحيث يحبس الأفراد داخل التنظيم، ويتقوقع التنظيم على نفسه، ويصبح يظن أنه الأصل ويجب على بقية المجتمع اللحاق به والانصياع له. وهذا ما عبر عنه آخرون بسيطرة فكرة “جماعة المسلمين” على التنظيم، وليس “جماعة من المسلمين”.
والمرض الثاني هو “صنم الهوى الديمقراطي”. إذ أصبح التنظيم يدار بالديمقراطية، ولكن مرة أخرى أصبحت الديمقراطية الداخلية للتنظيم الإسلامي تحتوى على كل مثالب اللعبة الديمقراطية في الخارج، من مناورات وتحالفات ومؤمرات!
5 – صنم العقلية “المطيعية”؛ نسبة لعبدالكريم مطيع، مؤسس تنظيم “الشبيبة الإسلامية”. وهي عقلية قائمة على المناورة والخداع. ورغم انتهاء تنظيم الشبيبة، إلا أن بعض أفراده بقيت فيهم تربية مطيع، ونقلوها إلى تنظيماتهم الجديدة مع الأسف.
6 – صنم المذهبية الحنبلية. ويقصد به تركيز سلفية المغرب على المذهب الحنبلي، خلافاً لجمهور المغرب المتبع لمذهب مالك بن أنس.
ويعتبر الأنصاري أن السلفية هي أولى حركات الإصلاح الديني في المغرب منذ زمن مقاومة الاستعمار، وهي التي أسست لظهور الصحوة الإسلامية هناك. لكنه يرى أنها لم تراع ظروف البيئة المغاربية، بتقديم المهم ومراعاة المصالح، بل حاولت نقل التجربة الدعوية للشيخ محمد بن عبدالوهاب بصورة حرفية، وظلمت كثيراً من خصومها، وصادرت المذاهب الفقهية الأخرى لصالح المذهب الحنبلي، وهاجمت التصوف بكل مدارسه؛ كما أنها عانت من قلة الحلم والأناة في مواجهة الخصوم.
هذه هي الخطوط العريضة للأخطاء الستة للحركة الإسلامية في المغرب، من وجهة نظر د. فريد الأنصاري. وهي برغم اختصاصها بالمغرب، إلا أن بعضها لا يقتصر على إسلاميي ذاك البلد، والعاقل هو من يدرس التجارب ويتعلم منها.
بالطبع، تعرض الكتاب ومؤلفه لنقد من الأطراف التي نقدها. وللأسف، لم أجد فيما وقفت عليه من ردود في “الإنترنت” إلا اتهامات حول دافع الأنصاري، والبحث عن زلة له في كتابه، أكثر مما وجدت اعترافا بحق قاله الأنصاري، أو نقد علمي موضوعي يفند رؤيته. مع هذا، يبقى كلام الأنصاري معروضا للنقاش والبحث، للوصول إلى حلول لبعض الظواهر المرضية في مسيرة العمل الإسلامي. وهذه مهمة الجيل الجديد من الباحثين والقادة في العمل الإسلامي.

*كاتب أردني

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock