ضيوف الغد

في الهمّ الثقافي

ريم قطيشات*

أعمل منذ 10 أعوام في مجال التنمية؛ 6 منها في المجال الثقافي، وأعترف بأنني أبعد ما أكون عن لقب “متخصصة”. لكنني اليوم أعلن خيبة أملي من المشهد الثقافي المحلي!
حتى اليوم، عجزنا، بكل أطياف المجتمع، عن تقدير الثقافة، أو حتى الاهتمام بها، رغم الجهد الوطني الكبير الذي يبذله العاملون في المجال الثقافي، وسعيهم لإيصال رسالة لطالما كانت سامية وضرورية.
هؤلاء، حفروا في الصخر لكي نتقبل أدبهم وفنهم وموسيقاهم ومسرحهم، وكل ما يقدمونه من محتوى ترفيهي لأجل المجتمع. لكننا، وللأسف، آمنا بثقافة الآخرين، ولم ندرك أن ما نملكه هو إبداع حقيقي يستحق الإشادة والمتابعة.
العاملون في المجال الثقافي يتنوعون في مجالات إبداعاتهم، لكنهم، جميعهم، يعبرون عن هويتنا الواحدة، ويعكسون تطلعاتنا والتحديات التي نواجهها، والآمال التي نرجو تحقيقها.
مشاعر مختلطة تختلج صدورنا من طريقتهم وأسلوبهم في تقديم منتجهم الإبداعي، لإيصال ما يؤمنون به، بينما نحن ننعتهم بـ”غير الواقعيين، وبأننا نحن المدركون والعقلانيون لمجرد توجهنا لعالم عجز أن يوصل لنا بأن الثقافة والعلم مترابطان، ولا يمكن الفصل بينهما.
يبتعد عنا التفكير في مستقبل الثقافة ليشملنا جميعا؛ حكومات ومؤسسات وأفرادا، وأيضا عاملين في المشهد الثقافي، والداعمين له. اليوم نحن مدانون جميعنا، لأننا لا نستطيع حتى اللحظة مأسسة الثقافة أو جعلها شأنا يوميا غير متعال، بل جزءا من حياتنا اليومية من دون أن نستحضر أنها خاصة بالمنتج، سواء كان أدبيا أو فنيا أو غيره.
الواقع اليوم يظلم الفنون في المدارس ليربي أجيالا تؤمن أن الفن غير مهم، وأن حصة الفن هي حصة فراغ، وأن الموسيقا محرمة، رغم أنها تظل وسيلة للتعبير عن ذاتنا وواقعنا وعكس قيمنا وتهذب نفوسنا.
الإجحاف والظلم الفادح يتواصل في مجال دعم الفنانين والأدباء من خلال موازنات توضع للمؤسسات، أكثر من نصفها يذهب رواتب لموظفي تلك المؤسسات، ولا يبقى سوى الفتات للفن والأدب، ينعكس من خلال فعاليات باهتة لا أثر دائما لها، فلا مسرح يحترم عقولنا، ولا شعر يهذب نفوسنا ولا استثمار في أجيال يفترض أن تقود المراحل المقبلة من عمر الدولة.
لماذا لا نستثمر بالأجيال الجديدة ونعرفهم أن الثقافة حق لهم، وبأنها حصنهم وهويتهم، وهي التي ستقودهم نحو المستقبل؟ لماذا لا نخاف بأنه لن يكون هناك جيل من الشباب الموسيقيين، وليس هواة، بعد يعرب سميرات ورولا برغوثي (إن لم تعرف من هما فما أقوله بالتأكيد يستدعي صافرة إنذار)، لماذا لا نخاف على أوركسترا وطنية لا تدعمها حكومة أو جهة رسمية، وتعيش على أمل العطف؟
كل هذا الواقع الذي نعيشه، يلقي بظلاله على الفنانين والأدباء والموهوبين والمبدعين، فيضيعون في متاهاته، ومع ذلك نراهم متمسكين برسالتهم ويسعون وراء عيش كريم.
إذا أردنا الاستثمار في الثقافة وفي المستقبل، فلنترك المصطلحات الرومانسية مثل رعاية الموهبة لأننا بحاجة لصناعة الموهبة قبل رعايتها. لنترك الأهداف الفضفاضة مثل مكافحة الإرهاب والتطرف، ولنضعها في نسقها الصحيح. لنتوقف عن خطابات “الحق مش علينا” الحل عند الحكومة، الفنان جوعان، وغيرها. انتجوا، تطوروا، آمنوا بقدرات بعض بعيدا عن المصالح الذاتية الضيقة، اسعوا للدعم، ولا تستسلموا لليأس فتضيع الرسالة.
* ناشطة في العمل الثقافي

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock