أفكار ومواقف

في انتظار أزمة كبيرة!

على هامش قضية المعاناة التي يعيشها عشرات آلاف الأردنيين ممن تراكمت عليهم الديون أو خسرت تجاراتهم وأعمالهم وباتوا ملاحقين ومطلوبين للسجن، تتفاعل معاناة أخرى، قد تكون أقسى، لشريحة واسعة من هؤلاء الملاحقين قانونيا ومهددين بالسجن لعشرات السنوات مقابل شيكات مالية بلا رصيد بعد أن خسرت أعمالهم وتراكمت عليهم الديون، وهي شريحة الهاربين خارج البلاد، حيث تتم محاصرتهم بعدم تجديد جوازات سفرهم وجوازات عائلاتهم!
كنت أعتقد إلى وقت قريب أن أعداد هؤلاء قليلة، وقد تكون صورة المعاناة التي يعيشونها قد غابت عن الرأي العام قبل أن تعود اليوم للظهور بقوة، ويكثر الحديث عنها بعد أن بدأت تنهال الشكاوى والمآسي الإنسانية لمغتربين هاربين، عبر مواقع التواصل الاجتماعي وعلى أثر توسع هذه الشريحة المتضررة، حيث بات يقدر عدد الأردنيين خارج المملكة ومطلوبين للتنفيذ القضائي والسجن بقضايا مالية بنحو 120 الف مواطن، زد عليهم -طبعا- الكثير من العائلات التي اضطرت لمرافقة معيلها في هروبه.
تركيا ومصر ودول خليجية تستقطب النسبة الأكبر من الأردنيين الهاربين في قضايا مالية. وقضية حرمانهم من حق تجديد جوازات سفرهم ووثائقهم الرسمية كونهم مطلوبين قضائيا في الأردن جاء الآن استحقاقها وموعد انفجارها، كون اغلبية الحالات التي اضطرت للهروب سجلت في السنوات الخمس أو العشر الأخيرة بعد تفاقم الأزمة الاقتصادية في المملكة، والتي تتحمل مسؤوليتها أساسا الحكومات المتعاقبة والنهج الاقتصادي الكارثي الذي ضرب ضمن ما ضرب قدرة العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على البقاء، وتسبب بانهيارات واسعة لتجار ومصالح تجارية، إلى أن وصلنا اليوم إلى وجود نحو 250 الف مطلوب للتنفيذ القضائي والحبس بقضايا مالية وشيكات بلارصيد.
أغلب جوازات السفر للهاربين وغير القادرين على سداد ما تراكم عليهم من ديون وشيكات انتهت صلاحيتها الزمنية أو هي على وشك، فيما يواجهون بحرمانهم رسميا من تجديد هذه الجوازات، وهي مخالفة قانونية ودستورية ترتكب علنا، حيث لا يجوز حرمان مواطن من حق استصدار جواز سفر أو تجديده لوجود قضية مالية أو حكم بحقه، خاصة وأن العديد منهم سينسحب الضرر على أوضاع أسرهم في الغربة.
الكثير من الأردنيين باتوا اليوم بلا إقامات رسمية في بلاد الاغتراب ومن ضمنها الدول الخليجية، لعدم تجديد جوازات سفرهم، ما يتركهم وعائلاتهم بوضع المخالفين قانونيا بتلك البلاد، ومعرضين للسجن والغرامات والإبعاد، فيما هم ما هربوا إلا لتجنب السجن المفتوح بعد خسارة تجاراتهم وأعمالهم وعدم قدرتهم على سداد الديون، وهم يأملون بتعديلات تشريعية تلغي حبس المدين وتخرج بمعادلات ومقاربات قانونية جديدة تعالج هذه القضية الشائكة التي خلفت وتخلف عشرات آلاف الضحايا والأسر.
من يطلع على بعض القصص والمآسي يعرف حجم المعاناة والمشكلة التي يسببها حرمان الأردني المحكوم بقضايا مالية ويقيم في الخارج من تجديد جواز سفره، فهو يحرمه من أبسط الحقوق الإنسانية ومن القدرة على إعالة نفسه وعائلته، وتبقي السيف مسلطا على رقبته بالإبعاد، فيما لا خيار أمامه سوى العودة للبلاد ودخول السجن لعشرات السنين.
ولنا أن نتخيل اضطرار عشرة آلاف أو أكثر من أصل 120 ألفا من الهاربين بقضايا مالية للعودة الطوعية أو الإبعاد بعد انتهاء الإقامة الرسمية الى المملكة، ودخول السجون. حتى في هذه فإن العبء المالي على الدولة سيكون كبيرا وقد لا تتسع السجون لهذا الرقم المتواضع نسبيا.
ثمة أزمة قانونية ودستورية في قضية حرمان الأردني بالخارج من تجديد جواز سفره إن كان مطلوبا بقضية مالية أو حتى أي قضية، ناهيك عن الأزمة الأخطر وهي المعاناة الإنسانية الكبيرة التي لا تقف عند الشخص المحكوم فقط بل تمتد لأسرته وأطفاله. هي قضية ملحة وخطيرة يجب أن تعالج اليوم قبل غد.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock