أفكار ومواقف

في تاريخ “المسألة الشرقية”

مالك العثامنة

“المسألة الشرقية”.. عبارة أتذكرها ويتذكرها جيلي ومن سبقه، وقد ترددتْ كثيراً في الكتب والمناهج المقررة في المدارس، حين كانت المقررات التاريخية لا تخجل من ذكر سياقها وتذكيرنا بخيباتنا وهزائمنا.

وهذا يسجل لحقبة تربوية وتعليمية كنت من المحظوظين أني عشتها في المدارس الحكومية في الأردن، ومن المؤسف أن ينتهي الحال بمناهج ومدارس الحكومة اليوم إلى ما انتهت إليه.

عبارة “المسألة الشرقية”، انسلت من الحضور، واختفت من الذاكرة ببراعة وخفة، كاختفاء الكثير من المعطيات التاريخية عن صفحات المناهج التاريخية، لكنها عادت إلى ذاكرتي المثقوبة قبل أيام وأنا أقرأ من جديد كتابا “قديماً” عن القضية الفلسطينية.. هل قلت “القضية الفلسطينية”؟.. حسنا.. ها نحن الآن أمام عبارة تكاد تندثر من قواميسنا، لتحل محلها عبارة “العملية السلمية” وبالمناسبة.. كانت “القضية الفلسطينية” عنواناً لمقرر مستقل في المدارس، ومن المدهش أن نتذكر أن هذا المنهج كان المشرف على تأليفه وإعداده التربوي الراحل المرحوم ذوقان الهنداوي، السياسي والوزير ورئيس الديوان الملكي أكثر من مرة.

المسألة الشرقية.. كانت كابوساً امتحانياً لطلبة المرحلة الثانوية من جيلي ومن سبقه، لكثرة المعطيات فيها، وهي معطيات تاريخية تعكس تعقيدات العالم ومصالحه المتشابكة، وللتذكير فإن المسألة الشرقية بتعريف موجز هي: مجمل (صراع) بين الدول الأوروبية خلال القرن التاسع عشر حول تقسيم أملاك الرجل المريض (الدولة العثمانية) الناجم عن ضعفها وقد مرت في خمس أزمات، هي: حرب التحرير اليونانية، قضية محمد علي، حرب القرم، الحرب الروسية – التركية، مؤتمر برلين عام 1878 ثم ضم البوسنة والهرسك إلى النمسا عام 1908 (في مطلع القرن العشرين).

وهذه الذخيرة المعرفية التي تلقيتها في المدرسة بقي الكثير منها عالقا كحالة تأسيس لفهم كل ما يجري اليوم في سياقه التاريخي.

والمسألة الشرقية ذاتها، في سياقها التاريخي، هي بداية المهزلة التي انتهت بضياع فلسطين، لتبرز بعدها “مسائل” كثيرة تراكمت مع السنوات والعقود.. لتبني على أنقاض المسألة الشرقية تاريخاً جديداً من التعقيدات والخيبات.

اليوم.. وعلى ضفاف أزمات “عنقودية” متوالدة في الشرق الأوسط، نجد أنفسنا كعرب أمام تحارج تاريخي مذهل، تختلط فيه الوقائع المتسارعة بالأساطير التاريخية، وقرارات دولية ومبادرات تتوالى فوق بعضها بدون توقف، فتجعلنا كلنا واقعين في حالة تيه وضياع يصطدم بواقع “إسرائيلي” هو نفسه دخل في التيه الإقليمي، ومن المفارقات المذهلة؛ أن ما كنا نسميه “الكيان الغريب والمصطنع” يبدو اليوم الأكثر ثباتاً على الأرض من باقي عناصر المعادلة.

“المسألة الشرقية” بدأت بتقسيم تركة رجل أوروبا المريض، وانتهت اليوم إلى شظايا مسائل متعددة، أبرزها “المسألة الفلسطينية”، وملامح “طللية” باقية لمسألة “عربية قومية” توشك على الاضمحلال، والمفارقة التاريخية المذهلة ببروز تركيا “كمسألة” شرق أوسطية مقابل المسألة “الفارسية” المنبعثة من قمقم التاريخ الغابر بعباءة دينية طائفية عصبوية غريبة الوجه واليد واللسان، تمتد في العراق وسورية بين حين وآخر، فتصبح “المسألة العراقية” مثل “المسألة السورية” عناوين للتشظي العربي في القرن الواحد والعشرين.

كانت المنطقة دوما خصبة لتوالد أكثر من “مسألة”.. وربما حان الوقت لوضع حد لتلك التوالدية والتفكير بحلول مختلفة وتغيير السؤال نفسه للبحث عن الجواب الصحيح.

المقال السابق للكاتب

وقل للغياب..

للمزيد من مقالات الكاتب انقر هنا

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock