أفكار ومواقف

في تفسير الجريمة

يرى بعض علماء الاجتماع، مثل روبرت ل. بيرتون، أن بنية المجتمع الإدارية والثقافية والسياسية والقيمية، هي التي تصون المجتمع من الجريمة. ففي أميركا مثلا، يركز المجتمع على النجاح، وأن لا شي ينجح كالنجاح؛ ما يدفع بعض أفراده إلى اللجوء إلى أقصر الطرق، أي إلى وسائل غير مشروعة لتحقيقه. وفي الأردن، يركز المجتمع على النجاح والمعدل في امتحان الثانوية العامة (التوجيهي)، أو على الواسطة والمحسوبية لأنهما يقرران المصير؛ ما يدفع التلاميذ الى الغش في الامتحان والتفنن فيه، وتأييد ذويهم لهم في ذلك، كما يدفع الناس إلى اللجوء إلى الواسطة حتى وإن كانت القضية منتهية لصالحهم.
يدرك الطفل أهداف المجتمع، ويتعلم قيمه في الأسرة والمدرسة والجامعة ومن الإعلام. وهو يميز بالتنشئة والتربية والتعليم بين الوسائل المقبولة أو المشروعة في تحقيق الأهداف وبين العكس. وبموجب نظرية بيرتون (بتصرف)، ينقسم المجتمع إلى خمس فئات متباينة في الأهداف والوسائل، هي:
أولا، فئة الملتزمين (Conformists): أي الناس الذين يحترمون أهداف المجتمع وقيمه، ويلتزمون بوسائله المشروعة في النجاح والكسب. وهم اليوم -كما يبدو- الأقل عددا ربما في كل مجتمع استهلاكي. وبالنسبة لموضوع الجريمة، لا تشكل هذة الفئة مشكلة للمجتمع والأمن العام والقضاء.
ثانيا، فئة الطقوسيين/ الطقسيين (Ritualists): أي الناس الذين يركزون على الطقوس أو الوسائل، ربما بحكم العادة، ولا يهتمون بالأهداف أو القيم؛ فتراهم يقصدون المساجد والكنائس والمعابد، ولكن كثيراً منهم ما إن يغادروها حتى يعودوا إلى وسائلهم وأساليبهم في الكذب والغش والخداع والانتهازية والواسطة والمحسوبية.. على حساب القانون والكفاءة والحق. ولعل أوضح مثال على مخالفة هذا النفر الكثير للقيم والقانون في الأردن، قيامهم بإيقاف سياراتهم عكس السير وقواعد المرور إبان صلاة الجمعة.
ويشكو أفراد الفئة الأولى ليل نهار من سلوك هؤلاء، ويحذرون من انهيار المجتمع نتيجة له. فهذه الفئة تشكل مشكلة كبيرة للفئة الأولى، وليس للأمن والقضاء فقط، لأن معظم الناس منغمسون فيها، ولا يستطيع الأمن العام والقضاء ملاحقتهم.
أما النوع الثاني من الطقوسيين، فيشمل معظمنا نحن “الأوادم”! الذين نتظاهر بأرقى القيم والأخلاق و”الإتيكيت”. لأنه ما من واحد منا -إجمالا- إلا غش في امتحان، أو خالف قواعد المرور، أو استغل منصبه العام لصالح خاص كتصوير كتاب لابنته/ ابنه في ماكينة التصوير الخاصة بالدائرة أو الشركة، أو استخدام المنشطات في الرياضة، أو استغاب، أو نم، مما لا يصل الشرطة أو يعرف عنه القضاء.
ثالثا، فئة المبتكرين (Innovators): أي الناس الذين يقبلون أهداف المجتمع ويعترفون بقيمه، إلا أنهم يرفضون الوسائل المقررة لبلوغها؛ لاعتقادهم أنها ليست متاحة أو مفتوحة لهم. ومن ثم، تقوى الدافعية عندهم لابتكار وسائل أخرى لبلوغ الأهداف، تعتبر انحرافا أو إجراما في نظر المجتمع.
والمبتكرون هنا يضمون المهربين وتجار المخدرات وسواهم الذين يرغبون في الحصول على المال والثراء، وهو هدف اجتماعي مشروع، ولكنهم يبتكرون طرقا غير مشروعة للحصول عليه بسرعة. يليهم النصابون واللصوص والقتلة… الذين يفاجئون المجتمع والأمن العام بأساليب ووسائل في الإجرام لا تخطر على البال، والتي كلما أفشلها الأمن العام ابتكروا غيرها.
رابعا، فئة المنسحبين أو المنكفئين (Retreatists): ويمثلهم الهيبيون الذين ظهروا في ستينيات القرن الماضي. فهم من جهة يرفضون القيم والمعايير والوسائل الاجتماعية، فكان أن تعاطوا المخدرات وأباحوا الجنس؛ وهم من جهة أخرى غير مؤذين وغير عدائيين، وإن كانوا يتسببون أحياناً ببعض المشكلات للنظام العام. لكنهم في بلاد العرب والمسلمين مرفوضون وملاحقون بتهمة عبادة الشيطان أو الجنس المثلي.
خامسا، فئة المتمردين والثوار (Rebels): أي الناس الذين يرفضون أهداف المجتمع ووسائله المقبولة، ويحاولون تغييرهما. إما سلمياً، فعندئذ لا يشكلون مصدرا للإزعاج عند الأمن والقضاء، وإما بالعنف “الثوري” أو بالإرهاب، فيصبحون الخطر الأكبر.
وفي الختام نقول: لا يعني هذا التقسيم أن من يوجد في فئة لا يخرج منها أو لا ينتقل إلى فئة أخرى؛ فالفئات متداخلة أو مفتوحة، والرشح أو السيولة مستمران بينها.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock