صحافة عبرية

في جنين فرحون وخائفون

هآرتس

بقلم: عميره هاس

10/9/2021

جد زكريا الزبيدي من جهة والدته، محمد علي جهجاه، كان من بين الأسرى الـ66 الذين هربوا من سجن شطة في انتفاضة الأسرى الكبرى في العام 1958. هذه المعلومة من تاريخ العائلة ذكرها قبل يومين بشكل عفوي عم زكريا، جمال الزبيدي. وقد مرت 63 عاما وساحة الأحداث تقريبا لم تتغير (سجن جلبوع الذي هرب منه السجناء الستة في هذا الأسبوع هو نوع من توسيع لسجن شطة).
جهجاه ووالد جمال ولدا في قيصاريا التي تقع على شاطئ البحر، وتم طردهما منها ولم يسمح لهما بالعودة اليها بعد العام 1948. مثلما قال جمال الزبيدي للصحيفة، فإن جهجاه نجح في اجتياز الخط الأخضر وعاد الى عائلته.
هرب الموقوفان (محاكمة الزبيدي ومناضل نفيعات ما تزال مستمرة) والسجناء الأربعة المحكومون بالمؤبد، فاجأ أبناء عائلاتهم. عدد منهم زاروا أبناءهم في السجن فقط قبل بضعة أيام من ذلك. بعد فترة طويلة كانت فيها الزيارة ممنوعة بسبب كورونا أو بسبب قيود حركة أخرى.
في المقابلات مع وسائل الإعلام، الجميع قالوا الشيء نفسه: “من استيقظوا باكرا قرأوا التقارير الأولى عن عملية الهرب في الشبكات الاجتماعية، حتى قبل أن يتم نشر الأسماء”. بعد ذلك بدأت الهواتف بين واحد وآخر من أجل التأكد من أن أحدا لم يسمع الأخبار. الأصدقاء بدأوا يتدفقون الى البيوت ومعهم مراسلون. “نحن لا يمكننا الإجابة عن الأسئلة لأننا لا نعرف أي شيء”، لخص جمال الزبيدي.
في الليلتين الأوليين بعد تحربر السجناء الستة لأنفسهم، تجمع أبناء العائلة والأصدقاء، جميعهم من الرجال بالطبع، في صالون بيت جمال المتواضع في المخيم. أصدقاء من نابلس أحضروا الحلوى للاحتفال بالتحرر. وبتوتر وخوف استمروا بمتابعة الأخبار واستعدوا نفسيا لاحتمالية اقتحام المخيم (مثلما كانت الحال بالفعل في قرية كفر دان وعرابة، حيث تم اعتقال اخوة بعض السجناء الفارين)، الجميع بقوا مستيقظين حتى الخامسة-السادسة صباحا وبعد ذلك ذهبوا للنوم.
في الخارج، في الأزقة، أيضا كانت احتفالات. كان هناك من وزعوا الحلوى وأطلقوا العيارات النارية في الهواء. “من الطبيعي أن يحتفلوا”، قال جمال الزبيدي. “ومن الطبيعي أن نفرح ونخاف على حياة الستة في الوقت نفسه. نحن قلقون مما قد يحدث لهم. ومما قد يفعلونه بهم”. من المقابلات في وسائل الإعلام يتضح أن أبناء عائلات السجناء البالغين الذين هربوا عبروا عن القلق على مصيرهم، وليس فقط عن الفرح من خطوتهم. الأصغر سنا ركزوا على الاحتفال بالنصر. جبريل الزبيدي (36 سنة) كان على قناعة في البداية بأن الأمر يتعلق بسجناء جنائيين هربوا من السجن. لقد استيقظ مبكرا، وشاهد التقرير عن الهرب. بعد ذلك نشرت صور السجناء ومن بينهم صورة شقيقه زكريا وتفاجأ. وقال للصحيفة “لم يتقرر بعد الحكم على شقيقه وربما لن يفرض عليه حكم طويل بالاعتقال”. من جهة أخرى قال “ما هذه الحياة. أنا عمري 36 سنة ولم أر حتى الآن البحر”.
العم جمال (65) لم يتفاجأ. “نحن في وضع فيه الحدود بين الحياة والموت رقيقة جدا. وحتى لو أخذ زكريا حكم 10-12 سنة فماذا كان سيفعل وسيشعر عندما سيتم إطلاق سراحه وهو في جيل 60 سنة؟ من 1967 كل ما عرفناه هو الاعتقال والقتل والإصابة. لم يعد هناك أي فرق بين الحياة والموت”. وسواء كان زكريا يعرف عن خطة الهرب أو لا، فإن عمه أيضا لم يكن متفاجئا من أنه ذهب لزيارة غرفة الجهاد الإسلامي. أحيانا السجناء يطلبون زيارة أصدقاء لهم في غرف أخرى لبضع ليال وسلطات السجن تسمح بذلك. أحد السجناء في غرفة 2، يعقوب قادري، كان في السابق في “كتائب شهداء الأقصى” وهو صديق زكريا”، قال جمال.
جمال نفسه سجن ثماني مرات في إسرائيل، وأحيانا في الاعتقال الإداري وفي بعض الأحيان حكم بسبب نشاطه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. فترة السجن الأطول التي قضاها بشكل متواصل كانت سنة. أولاده الثلاثة مسجونون الآن في إسرائيل لفترات قصيرة. “هنا في جنين نحن لا نتحمل الجيش أو حتى السلطة الفلسطينية”. وهو شرح كيف أن أولاده وصلوا الى السجون الإسرائيلية. جبريل تحرر من السجن قبل ثلاثة أشهر الذي استمر سنة ونصف (بسبب نشاطه في فترة الانتفاضة الثانية في كتائب شهداء الأقصى قضى عقوبة مدتها 12 سنة). وحسب قوله، النيابة العسكرية اتهمته باتهامات شديدة تشمل الاتجار بالسلاح وإطلاق النار. وقد نفى جميع التهم، وفي نهاية المطاف طلب منه الموافقة على صفقة تشمل “تحريض في فيسبوك”. هو وافق على ذلك لأنه سئم من المكوث في السجن. ولأنه عرف أن النيابة العامة لن تسمح لنفسها بالاعتراف بالخطأ. لقد قضى عشرة أشهر في السجن وبعد ذلك تم نقله للاعتقال الإداري. بعد ذلك قام بالإضراب عن الطعام مدة 27 يوما، ووعد أنه بعد انتهاء ستة أشهر سيتم إطلاق سراحه. في اليوم الذي كان سيطلق سراحه فيه تم إرساله مرة أخرى الى الاعتقال الإداري. إضراب آخر عن الطعام، قصير، أدى في هذه المرة الى إطلاق سراحه.
سيرة ذاتية مختصرة
كل واحد من السجناء الذين نجحوا في الهرب في بداية الأسبوع من سجن جلبوع يحمل تاريخا عائليا يتضمن جزءا من الخصائص الآتية: حياة لجوء، موت أحد الأقارب بإطلاق نار إسرائيلي، ذكريات طفولة عن اقتحامات عسكرية واقتحامات للبيوت، مصادرة أراضي العائلة لغرض الاستيطان، عمل في إسرائيل، اعتقالات، مشاركة في نشاطات مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي. باستثناء الزبيدي فإن أصل اثنين من الفارين هو من عائلات لاجئة من منطقة حيفا. عائلة يعقوب قادري تعيش في قرية بير الباشا التي أقامها اللاجئون في العام 1948، وعائلة مناضل نفيعات استقرت في قرية يعبد التي استوعبت في حينه الكثير من اللاجئين. أيهم كمامجي وأبناء خاله محمد ومحمود العارضة هم من قرى في منطقة جنين. الكثير من أبناء عائلة العارضة، الذين عدد منهم قتلوا في مواجهات مع إسرائيل وعدد منهم في السجن، هم متماهون مع الجهاد الإسلامي.
في وسائل الإعلام الإسرائيلية يقلصون تاريخ كل واحد من الستة بتعريف “مخرب”، وهكذا يخربون في القدرة على فهم اختياراتهم في حياتهم أو الحب الذي يغدقه عليهم الجمهور الفلسطيني والسرور بسبب جرأتهم ونجاحهم حتى الآن. حتى من لا يتفقون مع أسلوب الجهاد الإسلامي والزبيدي، إلا أن الستة بالنسبة لهم يعتبرون أشخاصا مستعدين للتضحية الكبرى، “الحياة والحرية”، من أجل استمرارية النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال.
السبب في أن زكريا الزبيدي هو الأكثر شهرة من بين الستة، لا ينبع فقط من حقيقة أن الجهاد الإسلامي لا يتحدث مع وسائل الإعلام الإسرائيلية، خلافا للانطباع ودرجة الاهتمام الإعلامي به، فهذا تنظيم صغير نسبيا وأعضاؤه الذين ينتمون للذراع العسكرية بالتأكيد يحافظون على قواعد النشاط السري. هم لا يركضون للتحدث مع أصدقائهم عن أسماء قادتهم والبحث عن تغطية إعلامية، مثلما اعتاد نشطاء كتائب شهداء الأقصى فعله في فترة الانتفاضة الثانية. يمكن الافتراض بأن نجاح السجناء الستة في الهرب والتجول بحرية خلال فترة طويلة، يرتبط أيضا بقدرة التخطيط والحفاظ على السرية التي طورها أعضاء التنظيم. هذه هي الخصائص التي بسببها معظم عمليات الهرب من السجون الإسرائيلية منذ منتصف الثمانينيات (التي فشلت والتي نجحت)، قام بها سجناء من الجهاد الإسلامي أو بمشاركتهم.
الجهاد الإسلامي، مهما كان صغيرا، يجذب اليه شبابا غير متدينين بالضرورة، لكنهم خائبو الأمل مما يرونه عجزا للسلطة الفلسطينية والمنظمات الفلسطينية أمام السلطة الإسرائيلية والخضوع لها. هم يعرفون أنه يمكنهم تحقيق رغبتهم في المشاركة في عمليات مسلحة في صفوف هذا التنظيم الذي هو غير مقيد بالقيود والاعتبارات السياسية. هكذا، يأتي اليه أيضا من ليسوا بالضرورة متعصبين، أو أنهم كانوا متماهين مع منظمات مثل فتح والجبهة الشعبية. بعد ذلك يمكن التخمين بأنهم يتحولون الى متعصبين أكثر.
أيضا، من دون أن يكون شخص متعصب ومن دون أن يكون في الجهاد الإسلامي، فإن جبريل الزبيدي يؤمن بالله، لذلك هو لا يقلق على حياة زكريا. “أنا أعرف أن الله هو الذي قرر، قرر أن حفر النفق سينجح وأن السجانة في برج المراقبة ستنام. وهو الذي جعل الشرطة لا تصدق التقارير في البداية عن شخوص قرب السجن. موضوع زكريا يوجد في أيدي الله وليس في أيدي المخيم أو الأصدقاء. زكريا أطلقت عليه النار مرات عدة وهدم بيته ونشرت عنه أكاذيب فظيعة. عندما أراد الله تم اعتقاله. بعد ذلك خرج من السجن بكرامة. نصف عائلتنا فوق في السماء. الأم والأب وشقيقي طه (الذي كان عضوا في الجهاد الإسلامي وقتل عند اقتحام الجيش لمخيم جنين في نيسان (ابريل) 2002). الله هو الذي سيقرر اذا كان زكريا سينضم اليهم أم لا”.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock