آخر الأخبار حياتناحياتنا

في حفلات الزفاف.. هل أزال “كورونا” مظاهر البذخ والفروقات الاجتماعية؟

مجد جابر

عمان- بات في الآونة الأخيرة إقامة حفلات الخطبة والزفاف بأبسط التفاصيل، وضمن حضور يقتصر على وجود أفراد العائلتين والمقربين جداً منهما، أي الأطراف التي تعني العرسان فعلا، ويرغبان بوجودهم في هذا اليوم.
وهو ما يدل على أن أغلب الاشخاص بغض النظر عن الطبقة الاجتماعية أو المستوى المادي لهم، انتهزوا هذه الفرصة، وضمن القوانين الحكومية التي تمنع إقامة التجمعات والافراح، وسارعوا الى عقد قرانهم بأبسط الموجود هروبا من الأعباء الاجتماعية المترتبة على مراسم حفلات الخطبة والزفاف، التي يضطر الغالبية للالتزام بها وإقامتها تقيدا بالعادات والتقاليد السائدة.
المبالغة في الدعوات سواء من قبل العائلة أو من قبل الاصدقاء لتجنب الإحراج، وما يترتب عليها من أعباء مادية واجتماعية، وعمل حفل كبير يتسع لجميع المدعوين، كلها أمور قد يتجنبها من يقبل على الزواج بهذا الوقت، وهو ما جعل كثيرين ينتهزون هذه الفرصة للهروب من الأعباء الاجتماعية الكبيرة المترتبة عليهم في إقامة حفلات بسيطة لا تجمع سوى المقربين جداً منهم بعيدا عن أي حرج قد يتسبب لهم.
اختصاصيون اعتبروا أن الزواج بهذه الطريقة يجب أن يكون هو الوضع الطبيعي سواء بوجود الأزمة أو بدونها، والابتعاد عن كل ما يسبب الأعباء للطرفين، والالتفات أكثر الى كيفية إنجاح هذا الزواج، وتحمل مسؤوليته بعيدا عن المظاهر التي لا داعي لها.
وفي ذلك يذهب الاختصاصي الاسري ومدير جمعية العفاف الخيرية مفيد سرحان، أنه كان لانتشار وباء كورونا وما صاحبه من إجراءات، كمنع التجول لفترات ومنع التنقل بالسيارات أحياناً أثر كبير على شكل العلاقات الاجتماعية، خصوصا في مناسبات الأفراح والعزاء، حيث إن منع التجمعات أدى إلى اقتصار حفلات الزفاف على عدد محدد من أهل العروسين، كما أن مناسبات العزاء أصبحت تتم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي ودون الحضور لبيت العزاء، وقد ساهم ذلك في تخفيف الأعباء المادية لهذه المناسبات التي تعد من المناسبات مرتفعة التكاليف.
ونظرا لاستمرار منع التجمعات وإغلاق صالات الأفراح، فإن أعدادا من الشباب الخاطبين وجدوا ذلك فرصة مناسبة لاستكمال زواجهم دون حفلات كبيرة، مما يقلل من التكاليف ويرفع عنهم الحرج، في حين ما يزال آخرون يؤجلون موعد حفلات الزواج بانتظار السماح بالتجمعات وفتح صلات الأفراح، ظنا منهم أن الزواج يجب أن يتم بمشاركة أعداد كبيرة من الأقارب والأصدقاء باعتباره مناسبة ينتظرها العروسان والأهل بغض النظر عن إمكانياتهم المادية، حيث يلجأ الكثير من الشباب والأسر إلى الاستدانة لإتمام متطلبات الزواج، مما يشكل عبئاً مالياً كبيراً على الزوجين ويؤثر على مستقبل الأسرة الناشئة وإنجاحها.
وفي كثير من الأحيان فإن الأثر السلبي كبير بسبب عدم القدرة على الإيفاء بالالتزامات، وفي حالات ينتهي الزواج بالفشل، عدا عن الحالات الكثيرة التي تضطر إلى فسخ عقد الزواج قبل الدخول بسبب ارتفاع التكاليف مقارنة مع متوسط الدخل. وفق سرحان.
ويضيف، كما أن البعض يجد في استمرار الظروف الحالية فرصة مناسبة للإقدام على الخطوبة أو اتمام زواجه، حيث إن قرار منع التجمعات يرفع الحرج ولا يحمل الشخص أي تبعات اجتماعية باعتباره ليس صاحب قرار المنع. وفي الظروف العادية فإن مناسبة الزواج تشكل عبئاً اجتماعياً حتى على الميسورين، وفق سرحان، بسبب الاضطرار إلى دعوة عدد كبير من الأهل والأصدقاء وتوفير مكان مناسب للجميع من حيث الموقع والمستوى ومراعاة أذواق الجميع وهو أمر في غاية الصعوبة، خصوصاً عندما تكون أعداد هؤلاء كبيرة سواء من أهل العروسين أو الأصدقاء والجيران وزملاء العمل.
ويوضح، فحتى مع توفر الإمكانيات المادية يجد البعض صعوبة في إرضاء الجميع، بل أحياناً يختلف العروسان وأسرتاهما على مكان إقامة الحفل وتفاصيله وطبيعة المدعوين، عدا عما يسبق الزواج من جاهات كبيرة وحفلات للخطبة (التلبيسة) وحفلة وداع العروس وسهرة الشباب من أصدقاء العريس هي أمور إضافة إلى تكلفتها المادية بحاجة إلى إعداد ومتابعة ولا يمكن أن ترضي الجميع.
ويضيف سرحان إن تغير العادات الاجتماعية، ومنها عادات الزواج أمر في غاية الأهمية حيث إنها عبء مالي واجتماعي، وهي في أغلبها تتعارض مع الدين الحنيف والمنطق السليم، ويغلب عليها التقليد الأعمى والمباهاة، فالمجتمع الأردني يعاني من ارتفاع سن الزواج لكلا الجنسين، إضافة إلى تراجع أعداد عقود الزواج بنسبة كبيرة في السنوات الماضية.
ويقول سرحان، لعل وباء كورونا فرصة مناسبة لبداية تغيير اجتماعي هادف يحقق مصلحة الفرد والمجتمع، وهذا التغيير يجب أن يشارك فيه الجميع الغني والفقير.
وقد أعلنت عدة عائلات وعشائر وشخصيات في مختلف محافظات المملكة ومناطقها عن رغبتها في التغيير بإصدار وثائق اجتماعية لتنظم المناسبات الاجتماعية، وهو أمر جيد، لكنه بحاجة إلى الالتزام والمتابعة، وأن يكون القائمون على هذه الوثائق قدوة حسنة لغيرهم.
غاية الزواج هي تحقيق السكن والمودة والرحمة وبناء أسرة مستقرة، وهذا يتطلب أن تقوم الأسرة على أسس سليمة تراعي الإمكانيات المادية والتوافق الاجتماعي. وفق سرحان، والفرح الحقيقي مكانه القلب وهو شعور نابع من القلب، وغير مرتبط بالضرورة بالتكاليف المرتفعة والمراسم والعادات الخاطئة.
ويؤكد سرحان، مسؤولية الجميع تشجيع الإقبال على الخطبة والزواج بتكاليف بسيطة وتوفير التكاليف الزائدة للأمور الضرورية والحاجات الأساسية. حتى لا يشعر الشباب والفتيات والأهل الذين يتجاوزون عقبات التكاليف المادية أن ما قاموا به أمر مستغرب وخارج عن القيم بل هو السلوك السليم الواجب الالتزام به من الجميع، وليكن شعار الجميع التنافس في تقليل التكاليف وتجاوز العادات الخاطئة وتقديم نماذج إيجابية لقيادة المجتمع نحو التغير الاجتماعي الهادف.
وفي ذلك يذهب الاختصاصي النفسي والتربوي الدكتور موسى مطارنة، إلى أن مؤسسة الزواج المهم فيها هو الاستدامة، مبينا أن ما يحدث حالياً من اختصار وبساطة في مظاهر الزواج دليل وعي من قبل الشباب المتزوجين. ويشير مطارنة الى أن الأصل بوجود قوانين حازمة بسبب كورونا أو بدونها، هو أن العريس لا يتحمل تكاليف زائدة ولا أعباء اجتماعية ومادية لا تجدي، لافتاً الى أن كثيرا من الشباب قاموا بدفع مصاريف الزواج للعروس دون إقامتها، لتحتفظ هي بالمبلغ وتصرفه كما تريد، أي أن الفكرة ليست مادية بقدر ما هي أعباء اجتماعية متعبة ليس لها داع.
ويعتبر مطارنة أن القضية هنا تعود لثقافة المجتمع والناس، وما يحدث الآن هو وعي اجتماعي، لافتا الى أنه طالما توفر التفاهم بين الطرفين فأي شيء ثاني يمكن أن يكون جميل وبسيط ويسعد الطرفين بأبسط الأمور.
ويلفت مطارنة إلى أن تشجيع الأهل لأبنائهم في هذه المرحلة يساندهم، فبات ما يشغل بالهم فعلا هو سعادة الابن أو الابنة، وأن تكون حياة العروسين مبنية على التفاهم والانسجام بعيدا عن المظاهر التي لا تقدم ولا تأخر.
ويوضح مطارنة، الأصل مراجعة العادات والتقاليد المتعلقة بالمظاهر كونها لا تخدم أي من الطرفين، والظرف في الوقت الحالي صعب، ولم يعد كما كان في السابق، مبيناً أنه لا بد من أن يكون كل الاهتمام على خلق مؤسسة زواج ناجحة وفيها مسؤولية، متمنياً أن يكون هذا الاقبال على الزواج بهذه المظاهر البسيطة خلال الازمة وبعدها، وليس فقط مقتصراً على الوقت الحالي. وأن يكون هناك وعيا في الكلفة والنفقات والالتفات الى ما هو أهم بكثير من ذلك.

مقالات ذات صلة

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock