أفكار ومواقف

في حق الملكية ووداع الميري

في حقبة تاريخية تبعت هذه البلاد لحكم الأتراك. وقد لا يحدث أهل عمان اليوم لأولادهم عن تفاصيلها ولكن ما يزال بالإمكان الاستماع الى شهادات عن كبار أهل حوران ومن الكرك كي ندرك بأن “الميري” وكل ما يتعلق بـ”الميري” ما يزال قادرا لليوم على اثارة حفيظة عدد كبير من القلوب، وبما غطى المنطقة العربية بأكملها.
و”الميري” هو نسبة العشر أي إشارة لضريبة ومكوس تدفع الى الدولة، وهو اللباس، فقد لبسه كل من خدم في الجيش العثماني، وقد يأتي أيضا اشارة لمكتب أو لعمل فيه المهابة! وهكذا كان عندما حدثت سيدة طاعنة بالسن لابنة ابنها قائلة بأنهم “أخذوه للتجنيد، سيدك أبو أبوك لبس “الميري” ورحل ولم نعرف أين وكيف؟ وصل البلقان وبعدها رجع الينا غريبا”.
ولكن ليس هذا هو مناط البحث هنا! انما الموضوع هو التعليق على قانون (الملكية العقارية الأردني رقم 13 لسنة 2019) والذي سيضع الحد للفوضى في موضوع تنظيم أحكام الملكية بالأردن بعد التوكيد أولا على مبدأ (حق الملكية) المصان بالدستور، وتنظيم الوسائل المتوافرة كالتسجيل والترسيم والسند والحدود والوكالات والمشاع والشفعة على نحو عصري، ثم قام بتصنيف الأراضي من أراض مملوكة وموات وأراض متروكة وهذه الأخيرة ستسجل باسم الدولة التي سيكون لها حق التصرف بها.
كما ويلغي القانون تصنيفا سابقا وهو “الميري” وبهذا تتحول العقارات الأميرية الى الملك ويلغي (حق التصرف) في العقارات الأميرية وليحل محله (حق الملكية) أي ستحول الدولة (صفة المتصرف) الى (صفة المالك) توكيدا لحق الملكية أعلاه بما سيحمل هذا من حلول لمسألة الواجهات العشائرية التي طال نقاشها لدينا.
ويقال بأن أغنى شخص في بلاد الإنجليز هي ملكة إنجلترا التي تمتلك كل الأرض وبنفس الوقت لا تملكها، بمعنى أنه طالما أن المالك يدفع الضرائب على الممتلكات (أي يدفع الإيجار إلى التاج ولا حاجة للأخير اليها مثل الاستملاك)، يصبح بالإمكان توزيع الملك بأريحية على مثل أساس هذه القاعدة التي تعود الى قانون قديم منذ غزو النورمان العام 1066، حيث قاوم الإنجليز بيع الممتلك ولكنهم قبلوا بتأجير الأراضي (أوالقلاع) لمدة (99) سنة قابلة للتجديد وهو ما يسمح به القانون الجديد في المادة (12).
وعليه من الممكن هنا ابرام عقود بمدة سريان (99) عاما ثم التوسع في تطبيقات ذلك بالتجديد على العقود للأراضي الأميرية على وجه التحديد لغايات التوسع بالتملك والاستثمار العامين في الأردن لكن مع الاحتفاظ بالملك، وهذا باعتقادي أخطر وأفضل ما جاء بالقانون. ومع ملاحظة كم يأخذنا من الوقت لتغيير مصطلحات بذاتها منذ القرن السادس عشر ولحين الغاء كلمة بائدة “الميري” ضمن قانون نافذ وساري المفعول في الأردن في العام 2019! لقد أسس القانون وتوسع بحق الملكية، وألغى قانون الأراضي العثماني القديم وهذا حدث مهم، وحدث مفصلي بمقياس تاريخي. ووداعا لـ”الميري”.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock