أفكار ومواقف

في ذكرى الامتحان الأول لـ”الديمقراطيين” العرب

في السابع عشر من الشهر الحالي، مرت من دون أدنى توقف أو استحضار ربما، الذكرى السادسة لإحراق الشاب التونسي محمد البوعزيزي نفسَه. ولعل أغلب من استذكره فعل ذلك من باب التخوين، أو أقلها الملامة، طالما أنه رمز “الربيع العربي” الذي صار خريفاً.
والاختلاف حول المسمّى بحد ذاته يفسر كثيراً جداً من مآلات “الربيع”. إذ بدهي تماماً أن القائلين بـ”الخريف العربي” إنما يدينون الضحايا على ما انتهى إليه الواقع العربي اليوم، لأنهم طالبوا بالكرامة والحرية والعدالة! فيما يبرئ أنصار “الخريف”، صراحة في أحيان كثيرة، الأنظمة التي هي من استخدمت كل أنواع الأسلحة ضد شعوبها، فقط لصيانة جميع مكاسب الاستبداد والفساد.
واستناداً إلى هذا القلب للحقائق، فإن ذكرى انطلاقة “الربيع” وإن تحول إلى “خريف”، يجب أن تبقى حاضرة بشكل دائم، لأنها كانت المناسبة الحقيقية الأولى، على الإطلاق، التي امتحن فيها كل الديمقراطيين العرب، ففشلت أغلبيتهم الساحقة في هذا الامتحان.
تكفي العودة إلى الكتابات العربية، من كل لون وأيديولوجيا، لتجد الإجماع، من دون أي تحفظ، على أن الديمقراطية هي الشرط الأساسي الأول لأي نهضة على أي صعيد. باختصار، قبل “الربيع العربي”، كان “الحكي ببلاش”! فالجميع مطمئن إلى أنه لن يأتي اليوم الذي يُطالب فيه بالوفاء بأقواله خارج غرف الفنادق الفخمة وصفحات الكتب والصحف والمجلات، ولربما بعض قاعات التدريس الجامعية.
لكن عندما خرج الناس فجأة، كان لا بد من تحديد الموقف عملياً، ولأول مرة، من “الحرية والكرامة والعدالة”. فتم ذلك استناداً إلى أضيق المصالح الحزبية والأيديولوجية، ولو كان الثمن هو الأوطان ذاتها.
إذ بالنسبة للبعض، فإن الثورات لا يجب أن تكون إلا على الأنظمة المتحالفة مع الولايات المتحدة، وإلا كانت مؤامرة وخيانة، حتى إن تشابهت ظروف القهر والبؤس في دول “المقاومة والممانعة”. لكن لاحقاً سيتم تقديم اعتذار علني حتى للأنظمة المتهمة بالخيانة والعمالة، كما سيتم التغاضي عن التعامل المباشر وغير المباشر مع “العدو الصهيوني”، وصولاً إلى التهليل لكل احتلال يبقي نظاماً، والاحتفال بشكل مماثل تماماً للدواعش بقتل المدنيين وتهجيرهم في سورية والعراق، ليسود حكم الولي الفقيه –العروبي المدني!- من طهران.
إذن، لم يعد من حاجة لكذبة المؤامرة، بل صار اللعب على المكشوف، طالما أن الديمقراطية لا تحمل أي مكاسب لهؤلاء الذين تجاوزتهم الشعوب، لأنهم تكلسوا عند محض شعارات جوفاء بائدة، هجرتها بلدانها الأصلية!
والإسلاميون بدورهم، وفي أكثر من دولة، ظنوا “الربيع العربي”، وبشديد غطرسة، فرصة للتعويض عن الماضي عبر الاستئثار بتضحيات الشعوب، فكان أن تحولت الديمقراطية إلى “جمعة مشمشية” لم تكد تبدأ حتى انتهت!
بالنتيجة، مع هكذا “ديمقراطيين” من “المعارضات” التاريخية، صار ربيع العالم العربي خريفاً. ولذلك أيضاً ليس ما يُخجل الشعوب، صانعة الربيع فعلاً، من تضحياتها لأجل الحرية والكرامة والعدالة.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock